الأربعاء , 20 يونيو 2018
مجلة فتح
الرئيسية 10 شؤون دولية 10 الولايات المتحدة والصين.. حرب تجارية تتصاعد
الولايات المتحدة والصين.. حرب تجارية تتصاعد

الولايات المتحدة والصين.. حرب تجارية تتصاعد

 ( مجلة فتح العدد – 715)

تمثل السياسيات المتهورة التي يقوم بها دونالد ترامب عقب دخوله إلى البيت الأبيض التحدي الأكبر الذي سيؤثر على مستقبل التجارة العالمية،  الذي عمل على وضع حجر الأساس للحروب التجارية في العالم، حيث إنه قام بإلغاء العديد من الاتفاقيات التجارية التي وقّع عليها سلفه باراك أوباما، كاتفاقية التجارة الحرة بين دول أمريكا الشمالية واتفاقية الشراكة العابرة للمحيط الهادئ واتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة وكوريا واتفاقيات متعلقة بمنظمة التجارة العالمية.

وفي سياق متصل قرر ترامب رفع الرسوم الضريبية على واردات الحديد الصلب إلى 25٪ والألمنيوم بنسبة تصل إلى 10٪ في الولايات المتحدة ولقد أثار هذا القرار الكثير من الجدل داخل الأوساط الأمريكية والخارجية ولقد برر ترامب قراره ذلك بأنه يهدف إلى دعم السوق المحلية للحديد الصلب والألمنيوم وخلق فرص العمل للشباب العاطلين في الولايات المتحدة ومنافسة أسواق الحديد الصلب في الصين وكندا والمكسيك وخاصة السوق الصينية وذلك لأن ترامب أعلن مراراً وتكراراً في خطاباته الانتخابية، بأنه يعارض السياسات الاقتصادية والتجارية للصين.

من جهتها أعلنت الصين وبعض الدول الأوروبية بالإضافة إلى منظمة التجارة العالمية، بأنه لن يكون هناك فائز في هذه الحروب الاقتصادية التي دعا لها الرئيس ترامب وقال المدير العام لمنظمة التجارة العالمية روبرتو أزودو في مقابلة صحفية: «إننا نرى في وقتنا الحاضر بعض الدول تقوم بخطواتها الأولى وتتجه نحو إشعال حروب تجارية وهذا الأمر سيكون له تأثير كبير على الاقتصاد العالمي». وبالنظر إلى مواقف الرئيس ترامب قبل وصوله إلى البيت الأبيض، يتضح لنا بأنه لم يكن لديه نظرة تشاؤمية أو قلق من الأوضاع التجارية في العالم ولكنه بعدما أصبح رئيساً للولايات المتحدة، بدأ يصرّح بأن منظمة التجارة العالمية أُنشئت لغرض استغلال الولايات المتحدة لأنه يرى حسب قوله بأن الحكومة الأمريكية لم تُنصف جيداً في جميع الشكاوي التي قدمتها حكومته لمنظمة التجارة العالمية ولهذا فلقد هدد ترامب بخروج بلاده من منظمة التجارة العالمية، إن لم تُغّير قوانينها لمصلحة الولايات المتحدة وهنا يمكن القول بأنه سيكون لمثل هذه القرارات ولانسحاب الولايات المتحدة من منظمة التجارة العالمية، تأثير بالغ وجوهري على التجارة العالمية.

عجز في التجارة الأمريكية وادعاءات ترامب

إن الولايات المتحدة لديها ديون خارجية بقيمة 20 تريليون دولار وعجز بنسبة 10 في المئة مقارنة بالصين، فعندما كانت الولايات المتحدة تقاتل وتقوم بمغامراتها في الشرق الأوسط، كانت الصين تقوم بتنمية استراتيجياتها الاقتصادية والتجارية ولهذا فإنه من الطبيعي أن تحقق الصين الكثير من المكاسب التجارية على مدى السنوات القليلة الماضية وأن تظهر في مستوى يفوق مستوى الولايات المتحدة على الخرائط العالمية والغريب في الأمر أن ترامب كان يقول وهو واثق من نفسه: «إن انضمام الصين لمنظمة التجارة العالمية كان قائماً على افتراضات ثابتة من أجل إصلاح بعض الأسواق وفتح أسواق جديدة» ولكن الحقيقة أن الولايات المتحدة لم تتنبأ جيداً بأن الصين سوف تنهض اقتصادياً بسرعة فائقة وتصبح قوة تجارية كبرى في العالم وسوف تُعرّض الأعمال التجارية الأمريكية للخطر.

وبناءً على ذلك، فإن ترامب يحاول من ناحية تغيير محاور الموازنة التجارية لخفض مستوى الأرباح التي تجنيها الصين ومن ناحية أخرى، يسعى إلى تعويض الدين الأمريكي عن طريق الاستعانة بالقوة العظمى التي تمتلكها الولايات المتحدة، بدلاً من الاستفادة من طرق الاستثمار التجارية المتعارف عليها ولهذا فهو يعمل الآن على نقل جزء من الأزمة الاقتصادية الأمريكية إلى بلدان أخرى في العالم لكي يقوم بعد ذلك باستخدام قوة النفوذ والسلطة، لإجبار تلك الدول على التوقيع على اتفاقيات تجارية تعود بالنفع على الولايات المتحدة وهذا الأمر هو ما أكدته تصريحات ترامب الأخيرة التي طالب فيها بتغيير قواعد وقوانين منظمة التجارة العالمية لمصلحة الولايات المتحدة وفي سياق متصل وعد ترامب بأنه سيمنع دخول الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة ولكن الواقع يكشف بأن هذه السياسة التي استمرت لسنة واحدة لم تجدِ نفعاً.

ومن أجل التستر على إخفاقاته المتتالية، هدد ترامب جميع الشركات الأمريكية قائلاً، «إن الشركات الأمريكية التي ترغب في سحب استثماراتها من البلاد، سوف نقوم بتغريمها بأموال كثيرة».

آثار قرارات ترامب الاقتصادية

اعتمدت سياسات ترامب الاقتصادية على نهج المدرسة المركنتيلية الحديث وهذا النهج يختلف كثيراً عن النظام الليبرالي، الذي يعتبر الحكومة الأمريكية بأنها القوة العظمى التي تحافظ على جميع السياسات الاقتصادية في العالم والآن وبعد سياسات العزلة الفاشلة التي انتهجها ترامب، بدأت الحروب الاقتصادية تشتعل في العالم ولهذا فلقد صرحت بعض الدول التي أعلنت الولايات المتحدة بأنها ستقوم برفع التعريفات الجمركية على وارداتها من الحديد الصلب، بأنها ستتعامل بالمثل وهنا أعلن الاتحاد الأوروبي الذي يُعدّ لاعباً أساسياً في نظام التجارة العالمي، بأنه إذا قامت الحكومة الأمريكية بتنفيذ قرار ترامب، فإنها ستزيد التعريفات الجمركية على السلع الأمريكية المستوردة، كما أن وزير الخارجية الصيني أكد قائلاً: “إن الصين لن تتعاون مع الولايات المتحدة، إذا ما قامت بتنفيذ قرار ترامب المتهور.

المستقبل والسيناريوهات المحتملة

إذا قام ترامب بتنفيذ قراراته تلك، فسيكون هناك احتمالان، فإما أن تقوم الصين والاتحاد الأوروبي بأخذ دور ومكانة أمريكا الاقتصادية في العالم وهذه الخطوة المهمة، قد تتسبب في تراجع القوة الاقتصادية الأمريكية، فاقتصاد الولايات المتحدة الذي يمثل 13 في المئة فقط من التجارة العالمية، يمكن له أن يفصل نفسه من هذه المنظمة ولكن بقية دول العالم ستستمر في تحركها وعلى سبيل المثال، أعلنت الصين بأنه إذا غادرت الولايات المتحدة منظمة التجارة العالمية، فإنها ستتمكن من منع انهيار وتراجع هذه المنظمة وفي سياق متصل أعلن الاتحاد الأوروبي بأنه سوف يُنهي جميع الاتفاقيات التجارية مع كندا واليابان وسيسعى في عام 2018 إلى عقد المزيد من الاتفاقيات التجارية مع المكسيك ودول العالم الأخرى.

ولكن السيناريو الثاني هو قيام جميع بلدان العالم بمغادرة منظمة التجارة العالمية والاعتماد على سياسات اقتصادية وطنية ومركنتيلية وهذا الأمر سوف يخلق العديد من التحديات للنظام التجاري العالمي وهذا بالتأكيد سيشكل تحدياً كبيراً للولايات المتحدة ومن المحتمل أن تصبح قرارات ترامب ذريعة لتكوّن أقطاب اقتصادية في العالم على الرغم من أن ترامب كان يسعى جاهداً لتجنب تكوّن تلك الأقطاب الاقتصادية في العالم وذلك من أجل إعفاء بلد مثل اليابان التي تؤمّن خمسة في المئة من الحديد الصلب للولايات المتحدة، من الرسوم الجمركية واستثناء بعض الدول النفطية مثل المكسيك وكندا من تلك الرسوم، إلا أن قراره ذلك كان بمثابة تحذير للعالم، بأن الولايات المتحدة لم يعد بمقدورها حماية التجارة العالمية وذلك لأن هذا القرار الذي أصدره ترامب جنباً إلى جنب مع سلسلة من القرارات الأخرى التي أصدرها في وقت سابق، كالانسحاب من منظمة اليونسكو أو الانسحاب من اتفاق معاهدة باريس المتعلقة بالطقس، قد كشفت عن الوجه الحقيقي الذي تتستر خلفه الولايات المتحدة ولهذا فلقد أصبحت الكثير من بلدان العالم لا تثق بالوعود الأمريكية الكاذبة.

وبطبيعة الحال، فإن صانعي القرار الذين يختبئون خلف الستار والذين يتحكمون بقرارات ترامب، سيعلنون عندما يرون بأن اللاعبين الرئيسيين في العالم يواجهون السياسة التجارية لـترامب ويقفون صفاً واحداً ضد الولايات المتحدة، بأن تلك القرارات الخاطئة صدرت عن ترامب الذي يُعد شخصية متهورة ولن يُحمّلوا الحكومة الأمريكية أي أخطاء، وبعد ذلك سيقومون بدفع ترامب بعيداً عن البيت الأبيض عن طريق التحقيق معه أو قطع الدعم عليه في الجولة القادمة من الانتخابات الرئاسية.

بكين تنتقم من واشنطن: «الحرب التجارية» تتصاعد

بعد أسابيع من تبادل تصريحات أثارت مخاوف من «حرب تجارية» بين أكبر اقتصادين في العالم، ردت بكين على فرض واشنطن رسوماً جمركية على واردات الألومنيوم والصلب بفرضها رسوماً على 128 منتجاً أميركياً.

مع تكرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، للشكاوى القديمة ضد «سرقة الملكية الفكرية» والفائض التجاري الصيني مع بلاده، وفرضه رسوماً جمركية بقيمة 25% على واردات بلاده من الصلب، بما في ذلك الصلب الصيني، وبنسبة 10% على واردات الألومنيوم، «بهدف حماية الأمن القومي للولايات المتحدة»، بدأت الصين (1/3)، تطبيق قرار فرض رسوم عقابية على مجموعة من المنتجات الأميركية، رداً على القرار الأميركي.

وعلى الرغم من أن الممثل التجاري للولايات المتحدة، روبرت لايتايزر، كان قد أشار في الآونة الأخيرة إلى أن «هناك أملاً» في المحادثات الجارية بين واشنطن وبكين، فإنّه بات من غير المتوقع أن تتراجع الأخيرة عن الرد.

وستتأثر 128 سلعة أميركية بالتعريفات الجديدة، وتصل القيمة الإجمالية للواردات الصينية من هذه المنتجات التي ستخضع للرسوم إلى ثلاثة مليارات دولار. ومن بين الـ 128 سلعة في القائمة الصينية، هناك حوالى 90 منتجاً زراعياً فاخراً مثل الفواكه المجففة والمكسرات والجنسنغ (عشبة طبيّة)، وهناك 32 سلعة أخرى تشمل منتجات الصلب المتخصصة المستخدمة في إنتاج النفط والغاز والنقل.

وبرغم الخطوة الصينية، إلّا أن بكين لم تُدرج في إجراءاتها واردات أميركية ضخمة مثل «فول الصويا وطائرات بوينغ»، التي رأت صحيفة «غلوبال تايمز» الصينية أنه «كان يجب استهدافها»، علماً بأنّ وزير المال الصيني السابق، لو غي وي، اعتبر قبل أسبوع، أنّ الإجراء الصيني لا يزال «معتدلاً نسبياً مقارنة بتدابير مؤلمة تستهدف فول الصويا الأميركي والسيارات والطائرات، ويمكن اتباعها من قِبل بكين لاحقاً».

وفي هذا السياق، نقلت صحيفة «ساوث تشاينا مورنينج بوست» أمس، عن أستاذ الاقتصاد في جامعة الأعمال الدولية والاقتصاد في بكين، جون غونغ، قوله: «إن الهدف التالي للتعريفات قد يكون فول الصويا ـــ وهو التصدير الأكثر قيمة للولايات المتحدة إلى الصين بقيمة 14 مليار دولار أميركي سنوياً ـــ الأمر الذي من شأنه أن يضرّ بالمزارعين الأميركيين». وأضاف أن «فول الصويا سلاح فعال جداً»، مستدركاً: «إذا فعلت الولايات المتحدة أي شيء، فإن فول الصويا، والسيارات، والطائرات، ستكون بالتأكيد على الطاولة… الأمر متروك للولايات المتحدة الآن، والكرة في ملعبهم».

 

عن علي محمد

مدير التحرير