الأربعاء , 20 يونيو 2018
مجلة فتح
الرئيسية 10 شؤون فلسطينية 10 المنظمات المشبوهة ومحاولات اختراق المجتمع الفلسطيني
المنظمات المشبوهة ومحاولات اختراق المجتمع  الفلسطيني

المنظمات المشبوهة ومحاولات اختراق المجتمع الفلسطيني

بقلم: ياسر المصري

عضو اللجنة المركزية

( مجلة فتح العدد 714 )

إبان مرحلة المد الوطني على الساحة الفلسطينية، في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، كانت شريحة الشباب تحتل مركزاً أساسياً ومهماً في المشروع الوطني الفلسطيني، التي أولاها أهمية أنشئ على أثرها العديد من المؤسسات والمنظمات الشبابية، والتي عملت بدورها على خلق جيل وطني شبابي ساهم في العملية الوطنية والثورية، في إطار وعي سياسي لقضيته، تماهى معها، وقدم أنموذجاً للشباب الوطني في الدفاع عن أرضه، إلى جانب تحصيله العلمي الذي تطور بشكل ملحوظ، في الداخل وفي مخيمات اللجوء والشتات، إضافة إلى دوره المميز في الانتفاضات الفلسطينية المتعاقبة منذ انتفاضة الحجارة وصولاً إلى انتقاضة القدس.

ولأن الشباب الفلسطيني هم بناة المستقبل، وهم الأمل في صناعة الأوطان، وضعوا دوماً تحت المجهر الصهيوني، وخاصة بعد الانتفاضة الأولى عام 1987، حيث أنهم كانوا المكون الأساسي في ا لمواجهات مع الكيان الصهيوني، إلى جانب أبناء شعبنا الفلسطيني، فعمل الكيان بكل طاقته على إخماد جذوة تلك الطاقة، وعندما لم يتمكن من ذلك بشكل مباشر، بحث عن أشكال وآليات بالتعاون مع حلفاءه الغربيين في كيفية استيعاب تلك الشريحة ضمن منظمات ومؤسسات هدفها الرئيس كي الوعي الفلسطيني، وتفريغ طاقته الوطنية بأشكال ومسميات مزيفة تحت مسمى التعايش والسلام، ونبذ العنف (المقاومة)، من أجل إبعاده عن قضيته الوطنية.

وفي هذا السياق شرّعتْ منظمات ما يسمى المجتمع المدني بالعمل على تأطير وتنظيم الشرائح الشبابية مستغلة الأوضاع الاقتصادية الصعبة لأبناء شعبنا في الداخل والخارج، وتراجع المشروع الوطني الفلسطيني الذي كان يُعنى بالشباب الفلسطيني، وتحديداً ما بعد اتفاق أوسلو الكارثي الذي وفر الأرضية الخصبة لعمل تلك  المنظمات دون حسيب أو رقيب، وبتمويل من البنك الدولي «الذي نعرف دوره المشبوه في تخريب مجتمعات العالم الثالث»، وبغض الطرف من جانب ما يسمى السلطة الفلسطينية، التي تعتمد مشروع السلام (التصفية)، وترفض المقاومة وتعتبرها عنفاً غير مبرر ولا يسمح بها، وغير بعيد عن تلك المؤسسات المحاولات الحثيثة من الجانب الصهيوني والأميركي التي تعمل على إلغاء وكالة الغوث «الأونروا» التي كان لها سابقاً دوراً بارزاً في دعم الشباب الفلسطيني في الصحة والتعليم والعمل، لكنها تعمل اليوم على إفراغ هذه المؤسسة من أي محتوى وتحديداً في الجانب التربوي والتعليمي والثقافي.

 

وكي نكون دقيقين ونحن نتحدث عن مؤسسات المجتمع المدني، يمكن القول بأن دورها تمظهر بشكل واضح في خضم انتفاضة الأقصى وتحديداً بعد عام 2002، حيث أنها انتشرت بشكل واضح من خلال أسماء وأشكال مختلفة من قبل بعض الشخصيات والجهات التي رأت فيها مدخلاً للارتزاق والتعيش والبعض الآخر رأى فيها ساحة عمل على حساب الفصائل الوطنية لتحقيق مكاسب مختلفة، وخدمة أجندات مستترة، لأن أساس وجودها يقوم على سرية العلاقة بين مدير المؤسسة والجهة الممولة، ومن أهم المؤسسات التي ذاع صيتها في الداخل مؤسسة  (USAD,Rockefller,Ford ) وجميعها تشترط قبول العضوية بالتوقيع على وثيقة نبذ العنف، وهذا هو بيت القصيد من كل تلك المؤسسات التي تقوم على «صناعة الإنسان الفلسطيني الجديد»، الذي يؤمن بالسلام ولا يقوم بأي عمل معادي للكيان الصهيوني، أو له عمل وطني سابق.

والـ NGOS هي مجموعة منظمات العمل المجتمعي الأهلي أو المجتمع المدني، إضافة إلى جمعيات خيرية في مختلف المجالات الثقافية والسياسية والاجتماعية، ويبلغ تعدادها الرسمي حوالي 2800 مؤسسة، ولكن الإحصائيات الميدانية تقدر عددها بـ 3900 مؤسسة موزعة ما بن الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، وبعضها مسجل ومرخص من قبل «السلطة الفلسطينية»، والبعض الآخر مرخص ويتبع للشؤون الاجتماعية، لكن على قاعدة المتابعة وليس الرقابة، وتعتمد في دورها على عقد المؤتمرات والورشات على حساب الخدمات، ويقدر عدد المنتسبين والمستفيدين منها بحوالي 40.000 عضو، أي أنها توفر ما يسمى فرص عمل للمواطن الفلسطيني، ولكن في حقيقة الأمر المستفيد الأكبر هو المدير الذي يأخذ الحصة الأكبر ويوزع الفتات على الأعضاء، وذلك لعدم وجود رقابة على كيفية صرف الأموال إلا من الجهة المانحة فقط، ومن الجدير بالذكر الإشارة إلى حجم الأموال الكبيرة التي تصل إلى تلك المؤسسات والتي تقدر سنوياً 800 مليون دولار سنوياً (أي ربع ما تتقاضاه السلطة الفلسطينية من الدول المانحة)، والمبلغ الأكبر هو من الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا والخليج العربي.

وكي نكون موضوعيين في رؤيتنا يجب الإشارة إلى وجود بعض المنظمات والجمعيات الأهلية التي أنشئت في الإطار الطبيعي لاحتياجات المجتمع الفلسطيني والتي كانت تحث على التنمية بكافة أشكالها وغيرها من المنظمات النقابية، ولكن ما أنشأ على خليفة خارجية له أهداف أخرى وإن احتوت على شعارات براقة لكن أهدافها مختلفة كلياً لأنها تريد أن تأخذ المجتمع الفلسطيني إلى أماكن أخرى، وجوهر ذلك يقوم على التماهي مع المشروع الصهيوني وحرف أنظار المجتمع الفلسطيني عن حقوقه الوطنية والتلهي بقضايا الخدمات الحياتية والتي يمكن أن تكون لها حلولاً إذا ما ترجم المشروع الوطني ميدانياً بما يخدم فكرة المقاومة والصراع وليس التسوية، ولنا في تجربة الانتفاضة الأولى أنموذجاً لحالة التكامل بين المجتمع المدني والقوى الوطنية.

والأهداف الخفية لمعظم تلك المنظمات الممولة خارجياً هي السيطرة على حالة التمرد (المقاومة) حسب زعمهم، إضافة إلى ابتكار أساليب جديدة لاستيعاب حالة الشباب بعد أن فشلت الأساليب الكلاسيكية ضمن ما يسمى «آليات القوى الناعمة»، وكان الأنموذج الأبرز لتلك المنظمات ما سميت بـ (USAID) التي قامت على شراكة مباشرة وغير مباشرة مع «السلطة الفلسطينية» في استيعاب الشريحة الشبابية وفق حل الدولتين، وذلك من خلال القضاء على الظروف التي تغذي «الإرهاب»، فلا يحق لأي مقاوم أن يستفيد من تلك المنظمة حتى وإن أصيب أو جرح على باب المنظمة، ولا يجوز المساعدة في تقديم خدمات أي بلدية فيها أعضاء من المقاومة (وهذا ما جرى مع بلدية بيت لحم عام 2007، ومؤخراً تم الطلب من بلدية نابلس إغلاق مركز الشهيدة دلال المغربي الذي تموله النرويج لأنه أطلق عليه اسم الشهيدة دلال المغربي وطالبت بإعادة الأموال التي أنفقت عليه، لأن ذلك الاسم حسب زعمهم لإرهابية ويشجع على الإرهاب، كما أن بلجيكا طالبت «السلطة الفلسطينية» بإغلاق مدرسة في الخليل حملت اسم دلال المغربي لذات السبب في عام 2013.

ويبقى السؤال الأساسي، هل استطاعت تلك المنظمات من احتواء الشباب الفلسطيني وترويضه على أفكار التعايش والاستسلام؟ أم أن الواقع يؤكد عكس ذلك؟.

يمكن القول بأنه رغم الواقع الاقتصادي السيئ الذي تعيشه الشريحة الشبابية، وانعدم فرص العمل أمام الشباب، وغياب البرامج التنموية لتلك الشريحة، إلا أن البوصلة للشباب الفلسطيني بقيت فلسطين، والواقع يؤكد كل يوم انخراط الشباب الفلسطيني في العملية  الوطنية، مع أن المؤسسات الرسمية تخلت عن معظم مسؤولياتها اتجاهها، وتراجع الاهتمام الفصائلي في المنظمات الشبابية، وغابت إمكانات الدعم، لكن الانتفاضات الأخيرة وتحديداً انتفاضة القدس والأقصى، تؤكد أن الحضور الشبابي هو الأساس في المواجهات، وما يجري من عمليات دهس وطعن دليل قاطع على استمرار الشباب في دورهم، برغم أن معظم هؤلاء الشباب الذين استشهدوا أو أسروا أو جرحوا من المواليد التي كانت بعد اتفاق «أسلو المشؤوم».

لذلك فإن الإشكالية الأساسية الملقاة على عاتق القوى الوطنية والمنظمات المجتمعية الفلسطينية هي إعادة النظر في تأطير تلك  الشريحة وتوفير الدعم اللازم لها، كي تبقى قادرة على مواجهة كل المشاريع الدولية التي تتساوق مع الكيان الصهيوني في محاولات كي الوعي الفلسطيني، وكي تبقى المقاومة هي الوسيلة الرئيسية لاستعادة الحقوق الفلسطينية.

عن علي محمد

مدير التحرير