الأربعاء , 20 يونيو 2018
مجلة فتح
الرئيسية 10 شؤون دولية 10 قيصر روسيا .. تجديد الثقة لعودة روسيا العظمى
قيصر روسيا .. تجديد الثقة لعودة روسيا العظمى

قيصر روسيا .. تجديد الثقة لعودة روسيا العظمى

 ( مجلة فتح العدد 714 )

لم يكن فوز فلاديمير بوتين بولاية رئاسية جديدة مفاجئاً، فالكل كان مدركاً أن للرئيس الروسي رصيداً كافياً لجعل الانتخابات الرئاسية استفتاء على شرعيته، وهذا ما تأكّد بما لا يقبل الشك، من خلال نسبة التصويت المرتفعة، والعدد القياسي للناخبين الذين صوّتوا على تجديد الثقة

وإذا كان اكتساح فلاديمير بوتين الانتخابات محسوماً سلفاً بنسبة التأييد، التي بلغت 76.66 في المئة، والتي تفوّق بها على الوصيف «الشيوعي» بافيل غرودينين، بنسبة 64.86 في المئة من الأصوات، فإنّ الوجه الآخر للانتصار تمثل في نسب المشاركة الشعبية، التي كانت تحوم حولها التساؤلات، إلى أن حسمتها الحماسة «المفاجئة» التي جعلت 60 في المئة من الناخبين يدلون بأصواتهم في الاستحقاق الكبير، بما يتجاوز 2.73 في المئة، عن نسبة المشاركة في انتخابات عام 2012، و12.28 في المئة من منسوب الإقبال على التصويت في انتخابات الرئاسة الأميركية الأخيرة.

بذلك، بات «بوتين الرابع» حقيقة رسمية لا تحتمل الجدل، وهو ما جعل التساؤلات بشأن الولاية الرئاسية الجديدة تصب في اتجاه التغيّرات المرتقبة في أجندة الحكم، ولا سيما على المستوى الداخلي، بعدما باتت السياسات الخارجية واضحة منذ عام 2014 على النحو الذي يجعل روسيا تتجه شرقاً نحو الصين، في سياق التأسيس لـ«المشروع الأوراسي»، في ظل التوتر المتصاعد في علاقاتها مع الغرب.

لكنّ تتبع المسار السياسي في روسيا منذ عام 1991، حتى اليوم، يشي بأن «مرحلة الاضطرابات»، التي يحذر منها البعض، قد حدثت بالفعل، في طور انتقال روسيا من «السوفياتية» إلى «البوتينية»، التي سلكت خلال السنوات الثماني عشرة الماضية مراحل متدرجة، في إطار استراتيجية، استهدفت، ضمن سلّم أولوياتها، تحقيق المصالحة الوطنية والاستقرار الداخلي (2000 ــ 2004)، ثم تحقيق النمو الاقتصادي (2004 ــ 2012)، ومن ثم استعادة المكانة العالمية (2012 ــ 2018)، وهي الركائز الثلاث التي تجعل السنوات الست المقبلة من عهد بوتين، تسير باتجاه تحقيق الأهداف الكبرى، التي تحدّث عنها الرئيس الروسي في خطابه السنوي أمام الجمعية الاتحادية.

ومما لا شك فيه أن المضي قدماً في استراتيجية «روسيا المستقبل» تستدعي تغييرات معيّنة على مستوى إدارة جهاز الدولة، أو حتى الوصول إلى تفاهمات مع المعارضة بمختلف توجهاتها، وهي مهمة قد تكون فرصها متاحة، وسهلة، بالنظر إلى الشرعية السياسية الكبرى، التي تجدّدت لبوتين في الانتخابات الرئاسية الحالية، علماً بأنّ الرئيس الروسي سبق أن وجّه الكثير من الرسائل في هذا السياق، بدءاً بتأكيده، خلال مؤتمره الصحافي السنوي الأخير  على ضرورة أن تشهد السنوات المقبلة تعزيزاً للمشاركة السياسية، بما يشمل تطوير «المعارضة البنّاءة»، وصولاً إلى تأكيده، ليل أول من أمس، عزمه على عقد لقاءات مع كل المرشحين، خلال الفترة المقبلة، وحديثه عن التغييرات في الوزارات ومؤسسات الدولة الأخرى بعد أداء اليمين الدستورية.

 

 

 

ترميم هيبة روسيا

يجسد بوتين طموح «روسيا عظمى» استعادت نفوذها ومكانتها، فخلال عرضه أسلحة جديدة «لا تقهر» حذر بوتين الغربيين في خطابه أمام البرلمان في بداية آذار قائلا «لم يكن أحد يريد التحدث إلينا، لم يكن أحد يريد الاستماع إلينا. استمعوا إلينا الآن!»

وإن كان الكثير من الروس يشيدون برئيسهم البالغ من العمر 65 عاما، فذلك لأنه حين وصل عام 2000 إلى الرئاسة، كانت سلطة البلاد غير مستقرة واقتصادها متدهور، فكان للعديد بمثابة رجل الاستقرار والازدهار المستعاد، بفضل عائدات نفطية وفيرة على مدى سنوات.

على الساحة الدولية، عمل بوتين الذي وصف تفكك الاتحاد السوفياتي بأنه «أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين»، على ترميم هيبة روسيا في العالم بعدما تدهورت مع سقوط الاتحاد السوفياتي وسنوات الفوضى في عهد بوريس يلتسين، وهو نهج طبقه بنجاح في سورية، حيث تمكن التدخل العسكري الروسي منذ 2015 دعما لسوريا ، واستطاع تبديل مجرى الحرب رغم إرادة الولايات المتحدة وأوروبا الذين فقدوا المبادرة إلى حد ما إذ تخطتهم الأحداث.

من شوارع لينينغراد إلى رئاسة الوزراء

لم تكن خلفيات بوتين الاجتماعية تمهد لوصوله إلى أمجاد الكرملين، فهو ولد في 7 تشرين الأول 1952 في عائلة عاملة تعيش في غرفة واحدة من أحد المساكن المشتركة في لينينغراد .

درس القانون وانتسب إلى جهاز الاستخبارات السوفياتي «كي جي بي»، حيث أصبح عميل استخبارات خارجية. أرسل إلى دريسدن في ألمانيا الشرقية، حيث عمل في منصب متواضع بين 1985 و1990.

وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي، انتقل من «الكي جي بي» للعمل مستشارا في العلاقات الخارجية لرئيس البلدية الجديد الليبرالي في سان بطرسبورغ، وبعدها حقق صعودا خاطفا.

ففي 1996 استدعي إلى موسكو للعمل في الكرملين. وفي 1998، عين على رأس جهاز «إف إس بي» الذي حل محل الكي جي بي، قبل أن يعينه الرئيس بوريس يلتسين بعد سنة رئيسا للوزراء، بحثا عن خلف قادر على ضمان أمنه بعد انسحابه من الحياة السياسية.

وحين استقال يلتسين في نهاية 1999 وعين رئيس وزرائه خلفا له، كان بوتين فرض نفسه كرجل البلاد القوي الجديد.

انتخب بوتين عام 2000 محققا فوزا سهلا، وفي 2008، عهد بوتين بالكرملين إلى رئيس وزرائه دميتري ميدفيديف لأربع سنوات، عملا بالدستور الذي لم يكن يسمح له سوى بولايتين رئاسيتين متتاليتين، وتولى بدوره رئاسة الحكومة.

ومع الإعلان في نهاية 2011 عن نيته في العودة إلى الرئاسة لولاية جديدة تم تمديدها في هذه الأثناء إلى ست سنوات، وفاز بالرئاسة في ربيع 2012.

 

 

عن علي محمد

مدير التحرير