الخميس , 13 ديسمبر 2018
مجلة فتح
الرئيسية 10 شؤون عربية 10 ابن سليمان في واشنطن.. ثروات السعودية مقابل حصار أيران وتمريرصفقة القرن
ابن سليمان في واشنطن.. ثروات السعودية مقابل حصار أيران وتمريرصفقة القرن

ابن سليمان في واشنطن.. ثروات السعودية مقابل حصار أيران وتمريرصفقة القرن

 ( مجلة فتح العدد 714 )

«نحن نفهم بعضنا بعضاً» بهذه الكلمات استقبل الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، لم يكن ترامب إلا دقيقاً في قوله، يعلم سيد البيت الأبيض جيداً ما يريده منه «الملك غير المنصب»: جعل السعودية صاحبة الاكتتاب الأكبر في سوق الوكالات الأميركية الأمنية والسياسية، بما يؤهلها، وفقاً لاعتقاد ابن سلمان، لتزعّم المنطقة، وكبح جماح إيران ومحاصرة دورها الإقليمي تحت لافتة «إصلاح» الاتفاق النووي، ومنح «خليفة والده» ضوءاً أخضر للمضي في تكتيكاته المتصلة بأزمتَي اليمن وقطر إلى ما يشاء، بدوره، يدرك الأمير ماهية المطلوب منه أميركياً: استثمارات بمليارات الدولارات تشمل قطاعات الأمن والدفاع والتكنولوجيا والتجارة والترفيه…، وتأدية دور مساعِد في تمرير «صفقة القرن» التي تعني عملياً تصفية القضية الفلسطينية وتكريس الاحتلال الصهيوني واقعاً لا مناص منه.

بيت القصيد فيما تقدم كله تجليه مائدة العشاء بين ابن سلمان، و«صديقه الحميم»، مستشار ترامب وصهره، جاريد كوشنير، والمكلف من قبل إدارة ترامب بالإشراف على (عملية السلام) في الشرق الأوسط، جيسون جرينبلات. الملف الرئيس على المائدة، «صفقة القرن»، التي لم تغاير إجابات ولي العهد السعودي على أسئلة الصحافيين بشأنها إجاباته على الأسئلة المتصلة بشخصيته وطبائعه: «أنا بطبعي دائماً إيجابي»، هكذا قال، محاوِلاً تمويه الدور الذي تؤديه بلاده في المشروع الأميركي الذي يُراد فرضه على الفلسطينيين، بهدف دفعهم إلى الاختيار ما بين «الخطاب البغيض، والجهود الملموسة والعملية لتحسين نوعية حياتهم، وقيادتهم إلى السلام والازدهار»، على حد تعبير غرينبلات في تعليقه على وصف محمود عباس، السفير الأميركي لدى الكيان، ديفيد فريدمان، بـ«ابن الكلب». بناءً على ما تقدم، وغيره الكثير من المعطيات، يمكن توقع ما ستحمله الأيام المقبلة في هذا الإطار، من اندفاع سعودي أكبر نحو تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني، وتشديد الخناق على الفلسطينيين بهدف حملهم على القبول بـ(الأمر الواقع)

ابن سلمان .. البقرة الحلوب

قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب،(20-3) إن المملكة العربية السعودية دولة ثرية جدًا وسوف تعطينا «كما نأمل» جزءاً من هذه الثروة في شكل وظائف وشراء معدات عسكرية.

وتابع أن «العلاقات بين البلدين في أقوى درجاتها على الإطلاق وبيننا تفاهم جيد جدًا. السعودية دولة غنية جدًا وسوف تعطي الولايات المتحدة بعضاً من هذه الثروة في شكل وظائف أو شراء معدات عسكرية، كما نأمل».

ابن سلمان يحاول بشكل أو بآخر وبجرأة منقطعة النظير في حال قارنها مع أسلافه أن يؤمّن كل وسائل الحماية حتى لحظة وصوله إلى كرسي الحكم حيث نتوقع في حال وصل إليها أن يغير الكثير من سياسته التي يتبعها حالياً، والتي وإن كانت تحمل في طياتها الكثير من التهور والعنجهية والقسوة إلا أنها والحق يقال ساعدته إلى حد كبير في تثبيت حكمه وصناعة بروباغندا إعلامية وسياسية لـ«شخصه».

لكي يتمكن ابن سلمان من التغطية على ما يجري في اليمن من جرائم حرب وفوضى أحدثتها ماكينات القتل السعودية والانتهاكات غير المعهودة لحقوق الإنسان التي تجري هناك والضغوط الأوروبية من برلمان وشعب لإنهاء هذه الحرب التي لم يعرف أحد حتى اللحظة لا أسبابها ولا أهدافها ولا ماذا حققت، (الحقيقة أنها لم تحقق أي نتيجة تذكر)، ولكي يخفي ابن سلمان الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها بلاده جراء انخفاض سعر برميل النفط وحالة التقشف التي تعيشها البلاد، كان لا بدّ من إحداث منهجية خاصة تعالج ما سبق ذكره، والحل هو بخلق بروباغندا لتعظيم شخص «ولي العهد» وإظهار الجانب المضيء من إصلاحاته وتضخيمها، وبالفعل هذا ما شاهدناه في شوارع لندن في الأيام التي سبقت، ورافقت زيارته إلى بريطانيا ونفس الكلام تكرر في الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن وبالرغم من كل المال الذي تم صرفه على هذه الدعاية المسبقة الدفع لم يتمكن ابن سلمان من إخماد الأصوات المعارضة لزيارته لتلك البلاد ولا حتى المتظاهرين الذين خرجوا وسط البرد للتنديد بزيارة ولي العهد ابن سلمان ورفع شعارات تطالب الأمير بإنهاء الحرب على اليمن.

إلا أن الأصوات المعترضة على انخراط واشنطن في الحرب، بلغت في الآونة الأخيرة حدّاً لا يمكن تجاهله، مُنذِرة بصراع صلاحيات بين المؤسسات الأميركية، على وقع ضغوط إعلامية وحقوقية واسعة، من شأنها أن تضاعِف الضغوط على الرئيس دونالد ترامب، وتضعه أمام تحدي تصويت الكونغرس على مشروع قانون يفرض خروج الولايات المتحدة من حرب اليمن، تمّت مناقشته.

في الأحوال جميعها، لا مؤشرات إلى ذهاب الرئيس الأميركي أبعد من فصل مسار الملف الإنساني عن باقي المسارات اليمنية، والدفع بتخفيف وطأة الحرب على اليمنيين، مع الاحتفاظ بصيغة تحافظ على «فوائد» الحرب وعوائدها المالية، وبين الأميركيين من يطلب من ترامب أكثر من ذلك، على اعتبار أن أي إجراء قد تفرضه واشنطن لن يحل الأزمة، في حين أن الحل العسكري ليس بمقدوره إحداث تغييرات دراماتيكية، فضلاً عن أن إيقاف الحرب في حد ذاته حاجة لحلفاء الولايات المتحدة في الخليج.

عشر سنوات إضافية من «المليارات»

لن يترك ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، فرصة لتذكير الأميركيين بأهمية شراكته معهم، يحاول أن يعقد الصفقات مع واشنطن لأكبر مدة معقولة، بأعلى الأثمان المتاحة، ومهما كلف الأمر، فالسعودية بالنسبة إلى الأمير الشاب، «أقدم حليف للولايات المتحدة في الشرق الأوسط»، وتربطها معها علاقات تمتد إلى ثمانين عاماً، في إشارة إلى مهد هذه العلاقات: صفقة روزفلت – عبد العزيز. هذا ما يراه ابن سلمان، الذي يضع العلاقات مع «الحليف» في مسارها التاريخي المعهود، والذي يجري تجديد العقد له 10 سنوات إضافية، وربما 20 إن نجحت «صفقة النووي». لكن هل هذا هو رأي الرئيس الأميركي، دونالد ترامب؟

الأخير يرى في ابن سلمان «صديقاً»، كما قال في المؤتمر الصحافي المشترك ( 20-3)، ويسعد للوظائف التي يخلقها في بلاده، والمليارات التي تتدفق من ثروة الرياض. وباعتقاد ترامب، حسب تصريحاته لدى استقباله ابن سلمان، فإن العلاقة ساءت أيام سلفه باراك أوباما، لكنها اليوم تتحسن وتفتح الباب على مزيد من الاستثمارات، من يراقب تصريحات كل من ترامب وابن سلمان، يجد نظرتين متفاوِتَتين للعلاقات، المشترك فيهما صفقات بليونية لن تتوقف قبل عقد من الزمن، ويصعب فصل التجاري منها عن السياسي.

 

عن علي محمد

مدير التحرير