الإثنين , 23 أبريل 2018
مجلة فتح
الرئيسية 10 مقالات 10 عربية 10 معركة الكرامة .. انعطافه نوعية في تاريخ الصراع العربي الصهيوني
معركة الكرامة .. انعطافه نوعية في تاريخ الصراع العربي الصهيوني

معركة الكرامة .. انعطافه نوعية في تاريخ الصراع العربي الصهيوني

موسى سعيد موسى

( مجلة فتح العدد 714 )

عاشت الأمة العربية بكل مكوناتها بعد حرب حزيران 1967، حالة من الضياع والانكسار وفقدان الأمل، وساد شعور الإحباط، وسيطرت روح الهزيمة وأثارها على مختلف نواحي الحياة السياسية والعسكرية والاجتماعية.

فقد أستطاعت دولة الكيان الصهيوني وفي ظرف ستة أيام من احتلال الضفة الغربية وجزء من أراضي مصرية وأخرى سورية. وبدلك تم احتلال كامل فلسطين التاريخية. فجاءت هده النكسة المدوية بعد عشرين سنة من قيام دولة الكيان الغاصب على الأرض الفلسطينية في نكبة أصابت الأمة العربية.

بعد حزيران عام 1967، أصبح الجندي الصهيوني يرى نفسه الجندي الخارق الذي يهزم، والذي الحق الهزيمة بالجيوش العربية خاصة وأن تلك الحرب لم تكلفه شيئاً من الخسائر، بل أنه لم يشاهد سوى فلول الجيوش العربية وهي تهزم وتولي الأدبار.

في ظل هده الأوضاع وفي مناخات الهزيمة الحزيرانية، وجد الشعب الفلسطيني أن الحل بالخروج من هده الأجواء لن يتم إلا بالثورة والكفاح المسلح. والدي كان قد انطلقت شرارته في الفاتح من عام 1965، عندما انطلقت الثورة الفلسطينية المعاصرة أخذت على عاتقها شن حرب شعبية طويلة الأمد ضد  العدو الصهيوني، وتحولت قضية الشعب الفلسطيني، من قضية شعب مشرد لاجئ في الخيام يعاني البؤس والشقاء، وينتظر الإعاشة في أخر الشهر. إلى شعب ثائر له قضية وحقوق وأرض سلبيه. وأن السبيل الوحيد لاستعادتها لن يكون إلا بالكفاح المسلح.

وفي الحادي والعشرين من شهر آذار من عام 1968، قام الجيش الصهيوني باجتياح منطقة الأغوار الأردنية، ومهاجمة مواقع الفدائيين الفلسطينيين، حيث بدأت طلائع من أبناء الشعب الفلسطيني وثواره ومقاتليه بتشكيل وبناء القواعد العسكرية في المنطقة المحاذية للأراضي الفلسطينية المحتلة، وبدأت المجموعات الفدائية تقطع النهر الفاصل بين الضفتين وتقوم بالعمليات العسكرية الجرئية، إضافة إلى عمليات القصف الصاروخي التي كانت تدك المستوطنات والمعسكرات والتجمعات الصهيونية.

كان هدا التواجد الفدائي يحظى بدعم ومساندة من القيادات الوطنية في الجيش الأردني. ولطالما تم تقديم المساعدات للدوريات الفدائية المتجهة صوب فلسطين، وكان هناك شبه تنسيق غير معلن بين أبناء الجيش الأردني والفدائيين في معركتهم الواحدة.

أعتقد الجيش الصهيوني حينها أن تلك المهمة ستكون سهلة المنال ومضمونة النتائج، وأن تلك المعركة لن تكون سوى نزهة ربيعية، خاصة وأن جيش الاحتلال كان لا يزال يعيش على وقع انتصاراته في حرب حزيران عام 1967،.

لقد حشد العدو الصهيوني آنذاك ثلاثة ألوية مدرعة، ونحو أثني عشر ألف جندي من المشاة، مدعوماً بالطيران الحربي، والمروحيات التي أنزلت جنوده المظليين على الجبال الواقعة شرقي منطقة الأغوار.

وأمام هذا الهجوم الشرس جواً وبراً، خاض مقاتلو الثورة الفلسطينية من أبناء حركة فتح وبعض الفصائل الفلسطينية، وإلى جانبهم الشرفاء والأحرار من جنود وضباط الجيش الأردني، والذين لم يضعوا في الحسبان مواقف وردة فعل قياداتهم في النظام الأردني. وجسدوا جميعاً بصمودهم وإرادتهم وفدائيتهم أروع صور البطولات والتضحيات، واستطاعوا مواجهة وهزيمة حجافل القوات الصهيونية التي كانت تفوقهم عدداً وعدة، وكبدوها خسائر بشرية ومادية فادحة.

وبعد انجلاء غبار المعركة والتي تمخضت عن هزيمة للجيش الصهيوني وتكبده 250 قتيلاً وأكثر 450 جريحاً وتدمير 88 آلية عسكرية في حين أستشهد 88 مقاتلاً فلسطينياً، وعشرات من جنود الجيش الأردني.

لقد أبلى الجميع  فدائيين وجنوداً بلاءاً حسناً في هده المعركة، وكانت هده الموقعه  فرصة لقادة الميدان في الجيش الأردني وجنودهم لإعادة الاعتبار للشرف العسكري الذي أهين في حرب حزيران عام 1967، عندما تجرعوا مرارة الهزيمة التي وقعت. فجاءت معركة الكرامة فرصة سانحة لرد الهيبة العسكرية لهم، بهذه  الروحية استطاعت القوات الفلسطينية والأردنية تحقيق انتصار عسكري مدوي، سمع صداه بين صفوف أبناء الأمة العربية من محيطها إلى خليجها.

وعند كل الشعوب الحرة في العالم، وتبعه انتصار سياسي نقل القضية الفلسطينية إلى مصاف القضايا العربية والعالمية كقضية تحرر وقضية حق الشعب الفلسطيني بالنضال والكفاح لاستعادة حقوقه وأرضه المسلوبة.

عقب هده المعركة شكلت الثورة الفلسطينية حضوراً حقيقياً على أصعد عدة، عربياً وعالمياً، وعلى المستوى الشعبي برزت المقاومة كقوة استقطاب جماهيرية كبيرة، حيث تقاطرت جموع كبيرة من أبناء الشعب الفلسطيني، وأبناء الشعب العربي للانخراط في الثورة الفلسطينية المسلحة. وأمت الشخصيات والقيادات اليسارية في الأحزاب والقوى السياسية الصديقة في دول أوروبا، وزاروا قواعد الفدائيين في الأغوار، للتعرف عن كثب عن أولئك الرجال الدين هزموا آلة الجيش الصهيوني  وهو في عز انتصاراته وتفوقه.

لقد شكلت معركة الكرامة ملحمة فداء، وانعطافة نوعية في تاريخ الصراع العربي الصهيوني. فقد كان قرار المواجهة، قراراً شجاعاً أكد على أن الجماهير والقوى الحية في الأمة إذا ما امتلكت زمام المبادرة، وتسلحت بالإرادة، وامتشقت البندقية، ستكون قادرة على تغيير موازين القوى، وعلى قلب المفاهيم التي سادت طويلاً على أن الجيش الصهيوني جيش لا يقهر، هذا الجيش الذي سقط عند أقدام مجموعة من الفدائيين المقاتلين المؤمنين بحتمية النصر لامتلاكهم منطق الحق مدعوماً بالإرادة والشجاعة والإيمان واليقين بالانتصار.

ونحن اليوم وحين نستعيد ذكرى معركة الكرامة، وبعد كل تلك السنوات الطويلة، وعلى مدى الأحداث التي مرت بها قضية الشعب الفلسطيني، نقول أن لا خيار أمام شعبنا وأمتنا إلا خيار المقاومة والمواجهة، أن صراعنا مع عدونا هو صراع وجود وليس صراع على حدود، وهذه كله يستدعي الخروج من أوهام اللهاث وراء سراب التعايش مع ذلك العدو المغتصب والخروج من أوهام التسويات المذلة والمراهنات على خطط ومشاريع وحلول لسلام مزعوم. أن عدونا يثبت لنا كل يوم أنه عدو فاشي عنصري إجلائي أحلالي، يعتقل ويذبح ويشرد لأن هذه طبيعته وهذا مشروعه، وخائب من يتصور أن عدونا ممكن أن يكون غير ما ذكرنا.

أن كافة القوى المؤمنة بخيار الكفاح المسلح والنضال، مدعوة اليوم للاستفادة من نتائج معركة الكرامة، وأخذ الدروس والعبر من تلك الملحمة البطولية، تلك القوى مدعوة اليوم لتوحيد جهودها وخططها وبرامجها الاستراتيجية للعمل على تجسيد الوحدة الحقيقية على أرض المعركة. وفي ميادين النضال المتعددة قولاً وفعلاً،  وليس فقط عبر الشعارات والخطب الرنانة الجوفاء.

إن الانتصارات التي تحققت في مسيرة النضال الفلسطيني ومنها معركة الكرامة، وكل الشهداء الذين رووا بدمائهم الزكية وضحوا بأرواحهم من أجل أن تبقى شعلة الثورة متقدة، كل ذلك يدفعنا جميعاً للتمسك بالبندقية لتظل مشرعة في وجه العدو، متيقنين وعازمين على مواصلة الطريق، حتى تحقيق التحرير والنصر، رغم التضحيات والدماء التي ستورق يوماً نصراً يعم فلسطين… كل فلسطين.

 

 

عن علي محمد

مدير التحرير