الإثنين , 10 ديسمبر 2018
مجلة فتح
الرئيسية 10 مقالات 10 عربية 10 في ذكرى رحيل الشقيري القضية الفلسطينية بين الماضي والحاضر
في ذكرى رحيل الشقيري القضية الفلسطينية بين الماضي والحاضر

في ذكرى رحيل الشقيري القضية الفلسطينية بين الماضي والحاضر

بقلم الأخ: أبو عمر المصري

                   مسؤول الإعلام والدراسات

( مجلة فتح العدد – 712 )

في الظروف العصيبة التي تمر بها القضية الفلسطينية، وخاصة لجهة الصفقات التآمرية التي تُحاك من كل حدب وصوب ضد الشعب الفلسطيني في هذه الأيام، من أجل التخلص من قضيته، نستحضر الماضي القريب قبل البعيد، لنسلط  الضوء على بعض المآثر والمواقف التي كانت تحدد البوصلة والمسار الواضح بجرأة وشجاعة من أجل الحفاظ على حقوق الشعب الفلسطيني، وعدم التهاون بها أو بالسماح بالعبث بها، تحت أي ظرف كان ومن أي جهة كانت، كي تبقى القضية حية، ويبقى معها شعبها صاحب الحق في تقرير مصيره، دون منازعة من أحد، أو مصادرة لقراره الوطني من أحد.

وفي هذا الإطار نستذكر أحمد الشقيري، الرئيس الأول لمنظمة التحرير الفلسطينية، الذي كان له الدور الأبرز في تأسيس المنظمة، وله مواقف وطنية ثابتة في منهجية الصراع مع الكيان الصهيوني، وتوصيف طبيعة العلاقات مع  الدول العربية والغربية، إضافة إلى تأسيس جيش التحرير الفلسطيني في العديد من الدول العربية، والصندوق القومي الفلسطيني… إلخ من إنجازات، وبغض النظر قد نكون اختلفنا أو اتفقنا معه، ولكن من أجل الإنصاف يمكن القول بأن ذلك الرجل له بصمات لا تنسى، ونحن إذ نستذكره في ذكرى رحيله نقارن بين مواقفه في ذلك الحين وبين ما يجري اليوم على الساحة الفلسطينية.

ودون الغوص في مسيرة ذلك الرجل وحياته، نتوقف فقط عند المذكرة التي قدّمها إلى مؤتمر القمة العربية الذي انعقد في الخرطوم عام 1967،، وتحديداً بعد نكسة حزيران، والذي عرف لاحقاً بمؤتمر الـ لاءات الثلاث (لا صلح، لا تفاوض، لا اعتراف)، حيث جاء المؤتمر في أعقاب هزيمة منيت بها الأمة العربية، أطاحت بالآمال التي كانت معقودة على الجيوش العربية في تحرير الأرض الفلسطينية، والأكثر من ذلك أن العدو الصهيوني توسع واحتل جزءاً من الدول العربية (سيناء، الجولان،)، فكان المناخ العام للمؤتمر سلبياً، إلا أن وجود الزعيم الراحل جمال عبد الناصر وتماسكه أعاد للمؤتمر توازنه حيث رفع شعار «إزالة آثار العدوان» والعمل على استعادة الأرض العربية.

وبالعودة إلى رحلة أحمد الشقيري في الذاكرة، فإن الدور الذي لعبه على المستويات المختلفة للقضية الفلسطينية، كانت تتمثل في تمسكه بالثوابت  الوطنية، ورفضه أي تنازل عن أي حق من الحقوق الفلسطينية، ولقد اتضح جزءاً من ذلك في المذكرة المقدمة لمؤتمر القمة العربية والتي تناولت النقاط التالية:-

– لا صلح أو تعايش مع الكيان الصهيوني.

– رفض المفاوضات مع الكيان الصهيوني وعدم الاعتراف بالاحتلال السابق عام 1948.

– عدم الموافقة على أي تسوية فيها مساس بالقضية الفلسطينية، وما يؤدي إلى تصفيتها.

– عدم التخلي عن قطاع غزة والضفة الغربية ومنطقة الحمة والتأكيد على عروبة القدس.

– في نطاق الاتصالات الدولية في هيئة  الأمم المتحدة وخارجها، لا تتفرد أي دولة عربية بقبول أي حلول لقضية فلسطين.

– التركيز الدائم المستمر على الصعيدين العربي والدولي في أن قضية فلسطين وإن تكن قضية عربية مصيرية، إلا أن شعبها هو صاحب الحق الأول في وطنه الذي يقرر مصيره.

لقد أحببت أن أورد تلك المذكرة، وأسلط الضوء عليها في هذه المرحلة، كي نقرأ تجاربنا بشكل جيد، ونستفيد من دروس وعبر الماضي، التي نحتاجها في هذه الأيام، وتحديداً في ظل انعقاد العديد من القمم العربية وغير العربية، والتي في مجملها تقوم على تهميش القضية الفلسطينية، وإما على تصفيتها، ولنا في قمة الرياض الأخيرة التي حصلت في العام الفائت إنموذجاً واضحاً عن الاستخفاف العربي بالتعامل مع القضية الفلسطينية، والعمل على تصفيتها بتواطؤ واضح من النظام الرسمي العربي، والقبول بأي حلول كانت حتى ولو على حساب فلسطين وشعبها، وما الخطوات اللاحقة لتلك القمة  إلا دليلاً على ذلك من خلال التطبيع بالزيارات العلنية، وحتى المواقف المتطابقة من حيث حرف بوصلة الصراع مع الكيان الصهيوني إلى خلق صراع وهمي مع الثورة الإسلامية في إيران، والنظر إلى أن العدو الصهيوني ليس سبباً في أزمات المنطقة.

وفي هذا الإطار تتوارد الكثير من المعلومات حول دور النظام  الرسمي العربي في تمرير الصفقات المشبوهة، وتحديداً صفقة القرن الأميركية التي تحدث عنها الرئيس الأميركي «دونالد ترامب» في أكثر من مكان، والتي تقوم على تصفية القضية الفلسطينية وطرد شعبها خارج بلاده، وإلغاء حق العودة وإنهائه، وذلك بتناغم واضح مع النظام السعودي الذي يتآمر على كل الشعوب والحكومات العربية التي تقاوم الكيان الصهيوني، كي يقدم خدماته الجليلة للولايات المتحدة الأميركية وربيبتها الكيان الصهيوني من أجل الحفاظ على عرشه.

ونصل هنا إلى بيت القصيد في كل ما تقدم، حول طبيعة الموقف الفلسطيني وحدوده ودوره الذي يتوق له شعبنا الفلسطيني ويعمل على تجسيده  ميدانياً، استناداً إلى حجم التضحيات التي يبذلها في سبيل ذلك، بأن يكون السقف السياسي متوازناً مع الطموحات الوطنية التي يناضل من أجلها، وليس السقوط في مستنقع الأوهام والمؤامرات التي تحاك صهيونياً، ويتم تنفيذها من بعض النظام الرسمي العربي.

وفي هذه المرحلة ما أحوجنا كشعب فلسطيني إلى القيادة التي تتمسك بالحقوق، ولا تزيف الحقائق، أو تناور من أجل تدجين العقل الفلسطيني، تحت مسميات الواقعية السياسية، أو الظروف الموضوعية، أو التكتيك السياسي أو غيره، فوفق تلك المصطلحات مرّر اتفاق أوسلو، ودفعنا مقابله أثماناً كبيرة على حساب حقوق شعبنا في أرضه التاريخية، وعلى حساب النضال والمقاومة من أجل استمرار (العملية السلمية)، وتنازلنا عن 78% من أرض فلسطين، واليوم جاءت صفقة القرن للإجهاز على ما تبقى فلسطينياً كي تقام «الدولة اليهودية».

وبرغم أن النسبة العظمى من شعبنا الفلسطيني رفضت اتفاق أوسلو، وعملت على إسقاطه، لأنه يتناقض كلياً مع مصالح الشعب الفلسطيني، إلا أن البعض الفلسطيني، دخل في لعبة أوسلو واستمرأها، وحقق مصالح شخصية على حساب المصالح الوطنية، إلى أن نمت شريحة فلسطينية أصحبت علاقتها مع الكيان الصهيوني علاقة عضوية على مستوى التجارة والاقتصاد والأمن وغيرها من العلاقات الذيلية التابعة لمصالح العدو الصهيوني.

وما سمعناه مؤخراً على لسان «كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات» يؤكد على مواقفنا التي حذرنا ونبهنا من خلالها على ذلك المسار الخطر الذي لن يأخذنا إلا لمزيد من التنازلات، فهو يقول في لقاءه مع القناة الثانية في التلفزيون الصهيوني منذ أيام قليلة بأن الرئيس الحقيقي للشعب الفلسطيني هو ليبرمان «وزير الحرب الصهيوني»، ورئيس الوزراء الفلسطيني هو منسق شؤون (الحكومة الصهيونية) لدى الجنرال بولي مردخاي، وأن «الرئيس عباس» لا يمكنه التحرك من رام الله دون إذن مسبق من مردخاي وليبرمان.

فإذا كان ما يقوله كبير المفاوضين!! بهذا الوضوح عن طبيعة السلطة الفلسطينية التي نسميها سلطة تابعة، ولم نتوهم للحظة بدورها السياسي، فإن هناك العديد من الحقائق والخفايا الأخرى التي لم تُقال بعد هي أخطر بكثير مما قيل، والمشكلة أنه بعد خمس وعشرين عاماً يكتشف ذلك «المفاوض الكبير» حقيقة الإذلال الذي يمارس على من يسمون أنفسهم زعماء وقادة، وأمام شعبهم يستأسدون عليه بكل أنواع التعسف والظلم.

عندما نتحدث عن قيادة فلسطينية، أخطأت هنا أم أصابت هناك فإننا نهدف من ذلك، أن تكون على مستوى تضحيات الشعب الفلسطيني، الذي قدم الكثير ومازال يقدم على أمل الوصول إلى التحرير والنصر المنشود، ولكن ذلك يتطلب قيادة مؤتمنة على تلك التضحيات، تتمسك بالثوابت الحقيقية وليس الوهمية، وتعمل وفق أجندة مصالح شعبها  فقط، وليس في أجندات أخرى، ضمن رؤى واقعية تستند إلى حقائق الصراع التاريخي والوجودي مع الاحتلال الصهيوني، وليس على قاعدة الأوهام التسووية التي لن تحقق سوى المصالح الصهيونية، ومن يقف معها وخلفها، والمسألة ليست مستحيلة طالما هناك إرادة وعزيمة وقرار وطني، ولنا في مسيرتنا النضالية، وفي التجارب الثورية العربية والعالمية، ما يؤكد حقيقة الانتصار على أعداء شعبنا.

 

 

عن علي محمد

مدير التحرير