الإثنين , 19 فبراير 2018
مجلة فتح
الرئيسية 10 مقالات 10 عربية 10 بطل من هذا الزمان (الأسطورة)
بطل من هذا الزمان (الأسطورة)

بطل من هذا الزمان (الأسطورة)

بقلم: ياسر المصري

          مسؤول الإعلام والدراسات

( مجلة فتح العدد – 711 )

بعد مطاردة استمرت لما يقارب الشهر، وأكثر من محاولة فاشلة لاعتقال الشهيد أحمد نصر جرار، تمكن جيش الاحتلال بفضل العديد من عوامل التفوق و محاصرة الأسطورة التي قهرته، وقهرت معه كل من اعتقد أو توهم يوماً، بأن الشعب الفلسطيني يمكن أن يستسلم أو يرفع الراية البيضاء، فأرض فلسطين ولّادة بالأبطال الذي يولدون في كل يوم، ويلقنون العدو دروساً في البطولة والرجولة، والتاريخ يشهد على ذلك في العديد من المراحل التي تمرغ بها أنف الاحتلال الصهيوني.

ولا نريد العودة بالذاكرة إلى التاريخ البعيد والأسماء العظيمة التي قارعت العدو الصهيوني من معركة الكرامة والأحراش في الأردن إلى العمليات البطولية في الجنوب اللبناني، إلى أبطال الآر بي جي أثناء الاجتياح الصهيوني عام 1982، وحصار بيروت، إلى أطفال الحجارة في الانتفاضة الفلسطينية الأولى والثانية، وصولاً إلى الأشهر والسنوات الأخيرة التي أبدع بها شباب فلسطينيون تحدوا كل الحواجز والمخاطر، وقاتلوا بكل شراسة وبطولة، الجيش المدجج بأحدث أنواع الأسلحة والذي يعتبر نفسه في مقدمة جيوش العالم.

فمن منا لا يذكر الشهيد البطل نشأت ملحم منفذ عملية تل أبيب عام 2016، والشهيد محمد الفقيه الذي قتل الحاخام الصهيوني ميخائيل مارك قرب مستوطنة عتنائيل عام 2016، والشهيد المثقف باسل الأعرج الذي اشتبك مع العدو إلى أن نفذت ذخيرته، بعد أن تخفى عن عيون الكيان الصهيوني وأجهزته الأمنية لأنه كان يستشعر بمتابعته بعد إطلاق سراحه من سجون «السلطة الفلسطينية»، وذلك في آذار من العام الماضي، والقائمة تطول إذا ما أردنا استعراض البطولة الفلسطينية التي يمتلكها الشباب الفلسطيني.

وقبل الدخول في تفسير ظاهرة (مقاومة الفرد) لابد من تسليط الضوء على ما قام به الشهيد أحمد جرار، الشاب العشريني، الذي ينحدر من أسرة شهداء ومناضلين في جنين الصمود التي سطرت ملاحم عز وبطولة في انتفاضة الأقصى المباركة عام 2002، أذهلت العدو الصهيوني وضباطه، الذين وقفوا عاجزين أمام رجال لا يملكون سوى العزيمة والإصرار على القتال منهم أبو جندل، ومحمود طوالبة، ونصر جرار والد الشهيد أحمد وغيرهم من الأبطال الذين لا ينساهم شعبنا أبداً، ومازالت مآثرهم محفوظة في قلوبنا جميعاً.

لكن الشهيد أحمد نصر جرار له حكاية شبيهة بحكايات الأبطال وأساطير الفرسان، في زمن الردة والتخلي عن فلسطين وشعبها، والذي لم يمنع أحمد من مواصلة النضال بسلاحه الفردي المتواضع فأقدم على قتل الحاخام الصهيوني رئيل شيفاح في مستوطنة «حفات جلعاد» في التاسع من كانون الثاني العام الفائت، وتمكن من الهرب والإفلات من العدو الصهيوني، حيث بقي متخفياً في قريته اليامون قضاء جنين ما يقارب الشهر، بعد أن فشل العدو الصهيوني من القبض عليه في عدة محاولات جند من أجلها جهاز (الشين بيت الصهيوني والشرطة والجيش) مما جعل الصحفي الصهيوني غال بيرعز يقول: «إن جيش الاحتلال إذا لم يتمكن من اعتقال أو قتل المطارد أحمد جرار فسيتحول إلى أسطورة لدى الفلسطينيين».

إن استشهاد أحمد جرار يحمل معاني ودلالات مهمة جداً على أكثر من صعيد.

– فعلى الصعيد الصهيوني استطاع من خلال بطولته الفردية إحراج جيشٍ مُدجّجٍ بكافة صنوف الأسلحة مما أزعج قادة العدو الصهيوني، واعتبر ذلك فشلاً ذريعاً لاستخباراته تناولته العديد من الصحف وعلى لسان العديد من المحللين، وذلك دفع رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو على الاجتماع بالعديد من الوزراء وضباط الأجهزة الأمنية والجيش لاتخاذ قرارات تحد من تنامي العمل المقاوم في الضفة الغربية كان أبرزها تشديد القبضة الأمنية على الجدار العازل وإغلاق الصحف الفلسطينية التي تحث وتحرض على المقاومة، وطرد عائلات منفذي العمليات الفدائية.

– وعلى الصعيد الفلسطيني فإن الشهيد أحمد جرار الذي ولد بعيد اتفاق أوسلو لم يروض أو يدجن في ما يسمى بالسلام مع الكيان الصهيوني، ولم يخيفه أو يرعبه التنسيق الأمني ولم تمنعه كل الحواجز والعراقيل التي تعيق العمل النضالي، بل إن ذلك كان دافعاً إضافياً بتصليب عزيمته وإرادته على السير في طريق الكفاح مهما كانت النتائج التي كان يتوقعها من خلال شعاره الخالد في وجدان شعبنا الفلسطيني «الشهادة أو النصر».

– أما على الصعيد العام يمكن القول بأن ما يجري للقضية الفلسطينية من مؤامرات لتصفيتها من قبل العديد من أطراف فلسطينية وعربية ودولية سوف تجعل من شعبنا الفلسطيني بركاناً ثائراً في وجه كل من يحاول التفريط بحقوق شعبنا، وخاصة ما يسمى صفقة القرن التي بدأت بالقرار الأميركي بنقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة كمقدمة من أجل تهويد كل الأرض الفلسطينية وقيام (الدولة اليهودية) من خلال طرد الشعب الفلسطيني من أرضه وتوطينه في صحراء سيناء، وهذا سوف يدفع بأبناء شعبنا على تفعيل العمل المقاوم من الضفة الغربية وقطاع غزة وصولاً للأراضي المحتلة عام 1948.

وإذا كنا نتحدث اليوم عن ظواهر فردية في الشعب الفلسطيني تقوم بالفعل المقاوم، فليس ذلك بالأمر المستغرب، لأن ظروف العمل وخاصة في الضفة الغربية لها خصوصية استثنائية لما يتعلق بجغرافيتها وظروفها الأمنية، لكن المقاومة الفردية أثبتت نجاعتها في تنفيذ عمليات الطعن والدهس واستخدام «سلاح» السكاكين الذي أرعب العدو الصهيوني، حيث يعيش المستوطن الصهيوني اليوم في حالة قلق وخوف من مهاجمة أي فلسطيني له في أي لحظة وفي أي مكان، برغم كل الإمكانات الأمنية التي جندها في الضفة من أجل إجهاض أي عملية فدائية وخاصة من خلال التنسيق الأمني مع «السلطة الفلسطينية» التي قدمت خدمات جليلة في تعاونها مع الأمن الصهيوني لاعتقال ومطاردة المناضلين.

أحمد جرار لن يكون الشهيد الأخير والبطل الأخير، بل سوف يكون هناك الكثير من أبناء شعبنا الذين سوف يحذون حذوه، كما كان أبائهم الذين خاضوا معارك هبة البراق وثورة القدس والثورة الفلسطينية الكبرى وكل المحطات النضالية التي خاضها من أجل أن تبقى راية النضال خفاقة حتى يتم تحرير الأرض الفلسطينية وكنس الاحتلال عنها بغض النظر عن الظروف السياسية الراهنة التي تخيم على أمتنا والتي سوف تنتهي في يوم من الأيام، وسيكون تحرير فلسطين هو الهدف الذي يجمع شعبنا وأمتنا.

عن علي محمد

مدير التحرير

اضف رد