الإثنين , 10 ديسمبر 2018
مجلة فتح
الرئيسية 10 ثقافة وفنون 10 شجون فلسطينية .. أحمد جرار… الواثق الحياة.. نهراً من أغنيات البرتقال أسطورة أخرى من جنين
شجون فلسطينية .. أحمد جرار… الواثق الحياة.. نهراً من أغنيات البرتقال أسطورة أخرى من جنين

شجون فلسطينية .. أحمد جرار… الواثق الحياة.. نهراً من أغنيات البرتقال أسطورة أخرى من جنين

أحمد علي هلال

( مجلة فتح العدد – 711 )

هو أحمد العربي، قالت حبات التراب وباح البرتقال وجهر زيتون البلاد، هو من جيل «كسر بلور أوسلو وقلب شاحنة التاريخ»، ليس محض فرد، محض شاب عشريني، استأنف ما صنعه أنداده فحسب، هو بكمال الاسم والدلالة والعنوان أحمد جرار، كثافة شعب مقاوم منذ أزل التاريخ والمقاومة.

والمحاصر والمطارد، لكنه الفدائي الذي ما انفك يعيد اتجاه البوصلة لتظل تشير للقدس عاصمة أبدية لفلسطين، ويظل هو كثافة الفدائيين المقاومين الذين عشقوا لون تراب أرضهم، ليظل امتداداً لشقائق النعمان، الممتدة من جنين القسام إلى القدس تاريخاً وجغرافيا.

قام المقاوم.. حقاً قام

ليكتب سطره الكثيف في معنى الوطن، وفي معنى أن تكون فلسطينياً جداً وعربياً بامتياز، وبذلك تكون مدونة الفلسطيني معاصراً هي اكتمال النشيد، وللبلاد أن تنهض مقاومة مقاومة مستمرة لا تهدأ في وجه مشروع صهيوني مازالت الطلقات تُشرع بصدره، لتنمحي كل ظلاله العابرة مثلهم، أولئك الغزاة العابرون، حقاً آن لهم أن يخرجوا إلى نسيانهم المعجّل، فالأرض قامت أيضاً وهي الحاضرة على الدوام بتاريخها وهباتها وانتفاضاتها المستمرة، ليصبح الوطن بلون عينيه وخفق قلبه الباقي في السهول والهضاب والوديان وحواري القدس، وفضاءً لقرع أجراسها وتكبيرات مآذنها.

قام المقاوم.. حقاً قام

هو جيل من المقاومين الذين لم يبرحوا أرضهم، ولم يخرجوا من جلدهم، من هوائهم الطليق، من هويتهم، وهو الذي حاصر حصاره، ولم يكن في الحصار وحده وقد ظللته البلاد وأشجارها الباسقة، ولم يكن مغترباً كان المخيم والزعتر والشهيد وطلقات الفجر والرصاص الذي عرف طريقه للعدو.

هو ذاكرة تستمر لتُشيد ما تهدم من بيته، وما بعثره العدو من أشيائه، وهو الهوية إذن حين استعادتها والقبض على تفاصيلها، هو بتمام الاسم: أحمد العربي.

في الطريق إلى جنين ومنها، كانت كل الطرق إلى القدس أقرب، لأن لونها لون دمه، وحجارتها قبضات يديه، الأكثر عنفواناً في إدراكها للمسافة بين الأصابع وزناد البندقية، ليكون المدى نشيداً تحترفه الصباحات الوليدة، حينما تقحّم لحظته وبثّ رسائله في الذين يقرؤون: إني البلاد كلها، من مشرق الجرح إلى مغرب الروح، «ومن الجرح يتبدأ البرق»، قالها الشعر يوماً وزاد المقاومون في بلاغتهم الأثيرة ليكونوا الوضوح في زمن الوضوح، وزمن البلاغة هو زمن المقاومين بامتياز ثقافة وفكر المقاومة، التي أُستنبتت في الوعي الجمعي الفلسطيني، وصار لها فضاؤها، فمن أين يأتي الفدائيون قالت قصيدة الأرض، هم من زمن الجسارة والتوهج والإمتلاء، من زمن صارت كل أسمائهم فلسطين، قدراً ومساراً.

صباح الخير يا أحمد

ومازال نزيف البرتقال يوحّد أرض البطولات التي ما غادرتها الشمس البتة، ولم تغادرها خطا  الفدائيين الذين أصبحوا كل نشيدها ومطلعه الطللي، وقالت البلاد: أيها الذاهبون إلى كينونة الروح، لكم الجهات كلها، لتبحروا وتيمم قلوبكم شطر القدس فهي يمام كثيف على شرفاتها، وهي حبر الصلوات ولونه كلون دمائكم ، ونسغه أخضر كسندياني، ونبضه الرصاص أبداً في سماوات يقيني، ولم يزل حديث البلاد متصلاً بمآثر لا تُحد حسبها أن تبتدئ وفي البداية قالت بلاغة روح الفلسطيني: «أنا أحمد العربي/ فليأت الحصار/ جسدي هو الأسوار/ فليأت الحصار/ وأنا حدود النار/ فليأت الحصار/ وأنا أحاصركم/ أحاصركم/ وصدري باب كل الناس/ فليأت الحصار».

وهنا ولد أحمد جرار فانكتبت ولادات كثيرة، لقمت الشمس أسمائها للمجد، وصارت البدايات فلسطين تولد كل يوم، وصارت النهايات، سيذهب الغزاة إلى مشيئة النسيان، سيذهبون إلى حيث لا يعودون، أما فلسطين فهي التي تفرد كل مدوناتهم لينحني التاريخ كل مرة لأبجدية المقاوم الذي صار كل البلاد.

عن علي محمد

مدير التحرير