الأربعاء , 21 نوفمبر 2018
مجلة فتح
الرئيسية 10 شؤون حركية 10 في الذكرى السنوية الخامسة لرحيله أبو موسى أنموذج الثائر المتجذر في الأرض والثورة
في الذكرى السنوية الخامسة لرحيله أبو موسى أنموذج الثائر المتجذر في الأرض والثورة

في الذكرى السنوية الخامسة لرحيله أبو موسى أنموذج الثائر المتجذر في الأرض والثورة

 

بقلم: ياسر المصري

عضو اللجنة المركزية

عندما نستذكر قامة نضالية بحجم القائد الشهيد أبو موسى، نستذكره لأنه  كان من جيل أسس للثورة الفلسطينية، وأرسى لمفاهيم وقيم كفاحية وثورية مازال الكثير منا يذكرها ويتمثلها، لأنها كانت تعبير بحق عن أنموذج المناضل الذي عاش واستشهد على مفاهيم وطنية لم يتنازل أو يساوم عليها يوماً، فأورثها لأجيال سارت بهديها وعلى دربها من أجل أن تكمل المشوار وتنقلها إلى أجيال أخرى حتى يتحقق النصر والتحرير، وتلك الشخصية التي نتحدث عنها، عاصرت النكبة وأحداثها وعايشتها بكل تفاصيلها، وحارب على أرضها إلى جانب قادة عظام مثل الشهيد عبد القادر الحسيني وغيره ممن استشعروا الخطر الصهيوني مبكراً فامتشقوا السلاح وقاوموا به لأنهم أدركوا بأن القوة لا تواجه إلا بالقوة، وبغض النظر عن النتائج إلا أنهم قدموا كل ما يملكون من أجل الدفاع عن فلسطين.

وشخصية الأخ أبو موسى الذي يلقب بأنه فارس فلسطين، امتازت بالعديد من الصفات الإنسانية والنضالية والثورية لأزمنة طوال سنين حياته، وقد يكون اختلف مع البعض، ولكنه حاز على احترام الجميع لأن مناقبيته التاريخية في الإطار الوطني يعرفها الجميع ولا يمكن حتى لمن اختلف معه أن يقفز عنها، فقدّره الجميع، وكان فخراً للساحة الفلسطينية بإرادته وعزيمته وصدقيته وعطائه اللامحدود، وبساطته حتى في رتبته العسكرية  التي رفض أن تُستبدل بأي رتبة أخرى «العقيد أبو موسى» حافظ عليها في الوقت الذي كان يمكن أن تكون أعلى من ذلك بكثير، ولعدم إيمانه بالمراتب العسكرية كان يفضل رتبة مناضل فقط الأعلى والأغلى إلى قلبه.

وفي ذكرى استشهاده الخامسة تنتابني مشاعر بالرغبة في كتابة بعضاً من الومضات في حياته لتسليط الضوء على مواقفه التاريخية  التي عاصرها وعايشها، وكان له رأياً فيها وتقيماً موضوعياً لها، فنهلتها من كتاب (حياتي في الثورة) الذي أرشفه بعد سلسلة حوارات أجرتها معه قناة الحوار منذ سنوات، كتأريخ لذاكرته التي كانت تمتلك الكثير من التفاصيل الدقيقة لمسيرة كفاح  طويلة انغمس بها وأصبح أحد رموزها، وما يهمنا في هذا إبراز لقطات محدودة للدلالة على عمق الرؤية لتلك الشخصية، ونفاذ بصيرته في تقييم المواقف والتأشير على الخطأ في المسيرة النضالية بشكل جريء، وشجاع وانتقاده للعديد من المواقف السياسية والمسلكيات لدى البعض ممن كانوا يدعون قيادتهم للشعب الفلسطيني.

عندما تناول الأخ أبو موسى تاريخ النضال الوطني الفلسطيني في بداياته، كان ملتقطاً بعينٍ فاحصة لأهمية الدور الإعلامي في العمل النضالي، وأثره السلبي إذا ما أدير بشكل خاطئ، فيقول حول مذبحة دير ياسين: «كان للإعلام الفلسطيني دور سيء وغير مدروس، حيث كانت إذاعة القدس غير مجدية، وقد كانت في زمن الانتداب البريطاني وقريبة من الأحياء اليهودية، ومع بدء المواجهات تم نقل أجهزة هذه المحطة إلى مدينة رام الله، وكان موظفوها كلهم من العرب وعندما حصلت المذبحة، أراد القائمون عليها أن يظهروا بشاعة المذبحة للرأي العام، مع أن مجال هذه الإذاعة لا يتعدى فلسطين، وكان من بين المذيعين شخص على ما أذكر اسمه راجي صهيون، وقد أطنب في وصف القتل والذبح مما زاد الطين بلة، حتى أنه ضخم الحدث، كدعاية ضد اليهود، لكن الصاعقة وقعت على رأس الفلسطينيين عندما سمعوا هذه البشاعة لما حصل بالقرية، ولم يصل صوت راجي صهيون إلى الرأي العام الذي أراده عن حسن نية».

وفي تلك الومضة تأكيد على الوعي المتقدم لشخصية الأخ أبو موسى فيما يتعلق باستخدام الإعلام في المعركة فإما أن يكون قيمة مضافة للصمود والمقاومة وإما يكون عاملاً محبطاً قد يقلب النصر إلى هزيمة، وللأسف في تلك الفترة لعب الإعلام دوراً سلبياً أخاف الناس في القرى والمدن الفلسطينية وذلك من خلال تضخيم المجازر بتلك الصورة دون الحديث عن المقاومة لتعزيز الصمود والثبات مما أدى ذلك لخروج أبناء شعبنا خوفاً من بطش الصهاينة.

وفي الومضة الثانية يتحدث بها الأخ أبو موسى عن صورة الثائر وخصوصيته التي يتفرد بها من خلال التخلي عن كل الامتيازات من أجل الثورة وذلك رداً على سؤال حول تنازله وتركه لكل الامتيازات التي كان ممكن أن يحصل عليها في الجيش الأردني فيقول: «لو كنت أفكر بوضعي الشخصي ولما لدي من امتيازات في الجيش، حيث كنت أحد ثلاثة ضباط فلسطينيين في تلك المرحلة كقادة كتائب على أبواب التقاعد، ولنا مدخرات في صندوق المدخرات للضباط تقدر بألاف الدنانير، وفي بيت أثثته من شهور قريبة وأشياء حياتية كثيرة، لو فكرت بذلك لدخل علي التردد بالالتحاق بالثورة، ولكن غاب عني كل ذلك، ولم أرَ في الدنيا إلا حماية وانتصار الثورة».

هذه هي شخصية الثائر الذي يتخلى عن كل الامتيازات من أجل الواجب الوطني، ويضع كل القضايا الحياتية خلفه، ولا يتمسك بأي اغراءات مالية أو عسكرية أو شخصية، بل حياته مكرسة فداءً للوطن ولا غيره يستحق التضحية، فالثائر موقف حتى ولو كان ذلك على حساب كثير من القضايا الحياتية، فذاك من أراد أن يكون ثائراً وليس من يمتهن الوطن لحسابات شخصية.

والومضة الثالثة كان حول الاجتياح الصهيوني للبنان عام 1982، والسبب في تقهقر القوات العسكرية بشكل دراماتيكي فيقول: «تلك الانهيارات سببها هزالة تلك القيادات، بمعنى أنها غير مهيئة سياسياً وتربوياً ونضالياً ونفسياً للتضحية والشهادة، ولذلك لم تقم بأي جهد للدفاع عن مواقعها، مما سمح للعدو بأن يصل إلى بيروت خلال سبعة أيام فقط من بداية الاجتياح».

وفي ذلك إشارة واضحة من قبل الأخ أبو موسى لطبيعة القيادات التي كانت في تلك المرحلة على رأس العمل العسكري، وهو يقصد بذلك بعض الشخصيات والأسماء التي يعرفها جيداً، والتي لم تكن تحمل أي مؤهلات قيادية سوى أنها كانت تحظى على رضى القيادات النافذة، وذاك كان كل همها، حتى ولو كان على حساب دماء الشهداء، وكانت معظم تلك القيادات تدين بولائها للقيادة على حساب الولاء للشعب والوطن، وللأسف كانت تلك الظاهرة المرضية موجودة في الثورة وتنامت وزادت بشكل أكبر في ما سمي بعد ذلك «بالسلطة الفلسطينية».

أما الومضة الرابعة فهي للإشارة حول رؤية الشهيد أبو موسى للانتفاضة الثورية في حركة فتح رداً على التخاذل في الساحة الفلسطينية فيقول: «إنه والله لم يدر في خلدنا في يوم من الأيام أن نشكل تنظيماً جديداً في الساحة الفلسطينية لأن فيها ما يكفيها، ولم نكن نريد أكثر من تصحيح مسار الثورة ممثلة بحركة فتح رائدة النضال الفلسطيني، ونرى الآن أن حركة فتح التي نمثلها في هذا الوقت هي حركة فتح -المبادئ- والأهداف – والمنطلقات التي قضى في سبيل تحقيقها شهيدنا الأول أحمد موسى والكمالان وأبو يوسف النجار، وماجد أبو شرار، وأبو علي إياد وسعد صايل، ودلال المغربي، وكل الشهداء الذين قضوا على هذا الطريق، ونحن على أثارهم سائرون إن شاء الله».

لقد تحدث الأخ أبو موسى عن الحركة بألم واضح، كنا نشعر به في كل مرة يتحدث بها عن (فتح) رائدة المشروع الوطني الفلسطيني والتي كان يحلم بأن تكون قوية، ثابتة، راسخة تستوعب كل الشعب الفلسطيني على طريق تحرير فلسطين التي خبرها وعرفها بسهولها وهضابها وجبالها وبحرها وبياراتها وكل ذرة تراب بها دون أي مساومات أو تنازلات.

في ذكرى استشهاد القائد أبو موسى نتخيله واقفاً بيننا، بطوله الفارع، وابتسامته العريضة، وصراحته في قول الحقيقة، وحزمه في تطبيق المبادئ والثوابت الوطنية، والأخاديد المرسومة على وجهه والتي حفرها الزمن بعد تجارب عاشها وتركت آثارها في عقله المتقد دوماً في معالجة القضايا الوطنية، ومحاكمة الواقع بناء على المصلحة الوطنية التي قدمها على كل المصالح، وأعطاها حياته التي وهبها من أجلها دون تردد حيث كانت الشظايا في جسده الشاهد الحقيقي على ذلك التاريخ وتلك الشخصية.

لكل الرحمة في ذكراك التي ستعيش معنا ما حيينا.

عن علي محمد

مدير التحرير