الأربعاء , 21 نوفمبر 2018
مجلة فتح
الرئيسية 10 شؤون حركية 10 صور من صفحات فارس فلسطين وأيقونتها
صور من صفحات فارس فلسطين وأيقونتها

صور من صفحات فارس فلسطين وأيقونتها

موسى مراغة

تمضي الأيام والسنوات تتوالى، وتحل الذكرى من جديد، ذكرى الغياب الذي لا مفر منه، والرحيل الذي لا بد منه، خمس سنوات مضت ولا زالت الذكرى العطرة تنعش القلب والروح، صور حفرت عميقاً في الذاكرة صورة الأب والأخ والقائد والمجاهد الثائر، أقلّب صفحات الذاكرة وأدلف إلى محراب سنوات حياة الرجل الذي ملاْ حياته نضالاً وكفاحاً ومواقف نفخر بها ونتذكرها بكثير من الاعتزاز.

وإذا كان لا بد لي من الإضاءة على بعض المواقف التي تحفل بها حياة ذلك الرجل، عندما يختلط الشخصي بالوطني وبالهم القومي وتذوب الأنا الشخصية في النحن الجمعية، ليسود الوطن ويرتفع شأن القضية، قضية الشعب والأرض، فتكون فلسطين دوماً هي البوصلة.

في أولى تلك المواقف، تحملنا الذاكرة إلى الماضي، إلى السنوات الأولى لحياة رجلنا، سنوات الصبا، ونتلمس البدايات، بداية تشكل الوعي. ولد ونشأ الفتى سعيد موسى في عهد الانتداب البريطاني، في ذلك الوقت شاءت الظروف أن تعقد في بيت جده مجالس لكبار السن من الرجال، حيث كان يسترق السمع إلى أحاديثهم، فترن في أذنه كلمات ومصطلحات عن المطامع الاستعمارية البريطانية في بلادنا، وعن هجرة اليهود إلى فلسطين، وعن ثورة البراق، وشهداء الثلاثاء الحمراء، كانوا يتحدثون عن شيخ المجاهدين عز الدين القسام، وعن سعيد العاص، وعن الثوار الفلسطينيين.

مجمل هذه الأحاديث بدأت تشكل لديه بداية الوعي بان هناك غزوة واحتلال وخطر يداهم البلاد، وأن هناك مؤامرة تعد في الخفاء وأن الوطن بحاجة إلى الثوار والمناضلين.

أخذت كلمة الثوار تصدح في أذنه، خاصة عندما أخذ يسمع عن بطولاتهم ضد قوات الانتداب البريطاني. وأخذ يترقب مشاهدتهم في الليالي عندما كانوا يمرون من قريته على خيولهم حاملين أسلحتهم، متوجهين إلى ساحات القتال، ترافقهم والأهازيج والأناشيد الوطنية.

كانت عيون الفتى ترقبهم، فيثير ذلك في نفسه الفخر والحمية والكثير من الحماس، كان يتمنى أن يقترب منهم يسر اليهم طلباً بالموافقة على مرافقتهم.

وفي اليوم التالي وفي المجلس كان يستمع إلى تفاصيل معارك الليلة الماضية التي خاضها الثور، الذين رآهم بالأمس يمرون من تحت ناظريه فتتولد في نفسه الحسرة لعدم مشاركتهم تلك البطولات، ويشب الفتى ويشتد عوده، وتتكشف خيوط المؤامرة وضوحاً على فلسطين، وتتشكل العصابات الصهيونية التي بدأت تشكل خطراً على القرى العربية الفلسطينية حول القدس خاصة، وقرية سلوان أحداها.

في هذه الظروف لم يجد الشاب بداً من أن يطلب من والده أن يشتري له بندقية، رفض الوالد بداية لضيق الحال، الحّ الفتى، فرضخ الوالد، فكانت بندقية انكليزية ومعها 50 رصاصة، فرح الشاب، وزهى بالبندقية، لم ينم ليلته، وبدأ بانتظار الفرصة المناسبة، ليعلن انطلاقته على درب الثورة والنضال، وعندما نادى المنادي أن حيّ على الجهاد فلبى النداء، تنكبت بندقيته ويمم وجه شطر ساحة المعركة، فكانت أول مشاركة له في معركة الدهيشة القريبة من بيت لحم عندما شارك جموع الثوار في مهاجمة قافلة للجيش البريطاني. من حينها أختط درب الثورة وسار عليها….إلى أخر يوم من حياته.

وفي موقف أخر في مسيرة القائد البطولية التي لم تخلُ يوماً من المواقف الصعبة، حيث كان معرضاً للشهادة في أي وقت، وهذا ما كان يصبو إليه، وهنا تحملنا الذاكرة إلى بداية السبيعنيات، والمكان الجنوب اللبناني، حيث تنتشر مواقع الكتيبة الأولى التي كان يقودها، في شتاء تلك السنة غطت الثلوج مواقع الكتيبة. وكانت تلك الفترة من الأوقات العصيبة حيث تعرضت فيها الكتيبة الأولى للكثير من الغارات الجوية من قبل طيران العدو الصهيوني وعلى فترات متقاربة. وفي إحدى تلك الغارات يصاب القائد عندما انفجر صاروخ بالقرب من المكان الذي كان يحتمي فيه من القصف الجوي الذي طال مركز قيادته، يغيب عن الوعي للحظات، ليصحو بعدها ليجد أن قطعة من الصخر قد جثمت فوق جزء من صدره، حاول تحريكها، إبعادها فلم يفلح، حاول مرات ومرات إلى أن خارت قواه، أحس بالدّم ينزف من جسمه، فحدثته نفسه أن نهاية الأجل قد دنت. في هذه اللحظات لم يمر في خلده إلا صورة والديه، وتصور مشهد حالهما عندما سيسمعان بخبر استشهاد ولدهم. الوقت يمر والدماء لا زالت تنزف ولا أحد يحضر للمساعدة، ودوي الطائرات المعادية لا زال يزمجر في الفضاء، عاد ثانية لمحاولة إبعاد الصخرة وإزاحتها عن صدره فلم يفلح، في هذه الأثناء يعود بذاكرته إلى جامع قريته والى الشيخ الذي درس على يديه في«الكتاب» وتذكر تلك القصة التي سمعها منه يوماً، عن الرجال الذين دخلوا إحدى الكهوف وسُدّ بابه بصخرة كبيره منعتهم من الخروج. حينها أخذ كل واحد يدعو ربه بالفرج والنجاة ويذكر أمر خير كان فعله في حياته، وكانت الصخرة التي كانت تسد باب الكهف تنفرج قليلاً قليلاً إلى أن انزاحت كاملة، فخرج الجميع ونجوا بحياتهم.

القائد الذي كان لا يزال يرزح تحت وطأة ثقل تلك الصخرة، تذكر تلك القصة ونهايتها المفرحة فحدثته نفسه في تلك اللحظة، وقال لماذا لا أذكر أنا أيضاً أعمال خير فعلتها، فلعل الله يزيح عني هذه الغمة، جال بخاطره، حرّض الذاكرة، فلم تسعفه بأي حدث، ولكنه قال لنفسه، إن هذا المكان الذي أنا فيه، وهذا الطريق الذي أسير به، وهذا النضال الذي وهبت روحي لأجله، أليس بكافٍ، إلا يعد من الأعمال التي تسجل من أعمال الخير والتقوى.

وما كاد ينهي كلامه، وإذ بطائرة أخرى معادية تقوم بغارة وتلقي بإحدى صورايخها بالقرب من المكان، ومع قوة ضغط ذلك الصاروخ المعادي، تطيح بالصخرة بعيداً عن صدر صاحبنا. لتكتب له النجاة من جديد ليواصل طريقه على دروب النضال.

وفي مقام أخر من حديث الذكريات والمواقف الذي سجلت في حياة قائدنا، اللحظات التي اُّكتشف فيها المرض الخبيث الذي استوطن جسده، وعندما بدأ الصراع بينه وبين مرضه الداهم . تجلّت قوته وعنفوانه، ولعل من أولى انتصاراته على ذلك المرض أنه لم يفت من عضده، ولم يستسلم أو ينزوي، لم يرفع الراية البيضاء راية الاستسلام والخضوع، فقرر المقاومة والمقاومة في هي طبعة وكينوته ومن أصل جيناته.

وعندما استقر رأي الطب على بداية العلاج الكيماوي. بدأت الرحلة، وأتذكر في هذا المقام الاستعدادات والطقوس التي كنا نمر بها في مشوارنا إلى أخذ الجرعات والتي كانت في بدايتها قوية للحد من انتشار المرض في الجسد.

فكان علينا تجهيز القهوة الحلوة، وعلب التبغ، وصحن السيجاره، هل نحن ذاهبون إلى نزهة ؟ أم إلى جلسة علاج في مشفى، أسال نفسي؟.

وفي غرفة المشفى، علامات الحيرة، والاستغراب والدهشة على وجوه الممرضين والممرضات الذين كانوا يجهزون الأمر لبدء جلسة العلاج الكيماوي، قهوة _ وتبغ _ ومذياع لسماع الأخبار مع رجل في مشفى.!!!

ولكن مع الوقت، اعتاد الجميع على ذلك واعترفوا بالأمر الواقع، في تلك الفترة بدأت أزمة مخيم اليرموك، وتشعبت ذيولها واشتدت تعقيداً مع توالي الأيام.

هذه التطورات والأحداث لم تكن لتمنعه من متابعة الأحداث والأخبار لحظة بلحظة، خاصة عندما كانت غرفته تتحول إلى مركز للاجتماعات مع أخوته ورفاقه وزائريه.

وهنا لا بد من الحديث عن حالة أثارت استغرابي ودهشتي وأنا الشخص الذي بحب أن لا أستغرب من ذلك.

فقد كانت جلسة أخذ الجرعة الكيماوية تبدأ مساءاً وكانت تدوم طوال الليل وحتى بدايات الفجر عندما يحضر الممرض الموكل بهذه المهمة لينزع من رسغه الإبر التي كانت توصل له الجرعة وبعد فنجان القهوة الصباحية ولفافة تبغ ترافقها نتجهز للمغادرة، والشكل الطبيعي للمريض الذي أمضى ليلته يتلقى جرعة كيماوية، بان يذهب إلى منزله ليرتاح وينام عميقاً بعد تلك الليلة المضنية، وفي الطريق يأمر سائقه بالتوجه إلى مكتبه، إلى مكان عمله. الساعة الآن تقارب الثامنة صباحاً، الأصحاء لا زالوا في مخادع نومهم، وأنت الرجل الذي غادرت لتوك المشفى وتحمل في جسدك أثار التعب والإرهاق تبكر إلى عملك؟. أي روح نضالية هذه؟ أي فكر أنت الذي تحمله؟ أي إخلاص ووعي الذي تتمثله، أي حماسة وحب وشجن الذي يسكنك؟ وإذا سألته عن كل ذلك، لن تسمع منه إلا إجابة واحدة، هذا هو حبي لفلسطين…

 

عن علي محمد

مدير التحرير