الإثنين , 22 أكتوبر 2018
مجلة فتح
الرئيسية 10 شؤون حركية 10 حديث الوطن .. اجتماع المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية والحلقة المفقودة
حديث الوطن .. اجتماع المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية والحلقة المفقودة

حديث الوطن .. اجتماع المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية والحلقة المفقودة

الضارة لم تنفع… والصفعة لم تهز الضمائر بعد.. والتحديات الخطيرة افتقدت إرادة تحويلها إلى فرص واعدة للنهوض الوطني

بقلم: أبو فاخر

       أمين السر المساعد للجنة المركزية لحركة فتح الانتفاضة

لم نكن ننتظر اجتماع المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية لنجد عنده الترياق، فمؤسسات م.ت.ف تعيش الشلل منذ عدة سنوات، وغالبية الفصائل المشاركة في مؤسسات المنظمة تدعو باستمرار في خطابها السياسي إلى ضرورة تفعيل المنظمة، وإعادة بنائها، وتشكيلها من جديد، ليس لأن فترة ولايتها التنظيمية انتهت منذ سنوات طويلة، بل لكونها عاجزة وغير مؤهلة ومحكومة بسياسات ومواقف ليس بوسعها الخروج منها.

ورغم ذلك فمنذ إعلان الرئيس الأميركي (ترامب)، عن القدس عاصمة للكيان الصهيوني، عاد مطلب اجتماع المجلس المركزي يتردد صباح مساء، وأصبح تأخير انعقاده موضع نقد يومي مما أوحى وكأن في انعقاده الجواب والرد على التحديات الخطيرة التي تحدق بقضية فلسطين.

ولقد رافق ذلك كله مواقف ومطالب وطنية هامة جداً، على أمل أن يكون المثل الشعبي القائل رب ضارة نافعة، صائباً هذه المرة، وتمحورت هذه المطالب حول سحب وثيقة الاعتراف بالكيان الصهيوني، وإلغاء اتفاق أوسلو، وكل ما ترتب عليه من التزامات أمنية واقتصادية، والإقلاع عن دوامة المفاوضات العبثية التي أنتجت ويلات وكوارث لحقت بقضية فلسطين، وكان واضحاً أن هذه المطالب موجهة للسلطة ولمؤسسات منظمة التحرير، اللجنة التنفيذية، والمجلس المركزي، كون تحقيقها والاستجابة لها يشكل الأرضية لإطلاق طاقات شعبنا المناضل وتطوير حراكه الانتفاضي إلى هبات متلاحقة وصولاً إلى انتفاضة شعبية عارمة.

اجتمع المجلس المركزي وخرج بقرارات تحمل تفسيرات وتأويلات لا حصر لها، مما يجعلها عاجزة عن تحقيق التغير المطلوب في الفكر والمواقف والممارسة، الأمر الذي ينطبق عليه قول المفكر الإيرلندي (جورج برنارد شو) في أن التقدم مستحيل بدون تغيير، وأولئك الذين لا يستطيعون تغيير عقولهم لا يستطيعون تغيير أي شيء.

إن هذا يدعونا للقول إن من يطالب باجتماع المؤسسات الفلسطينية، اللجنة التنفيذية والمجلس المركزي عليه أن لا يتوقع تحقيق أي مطلب له، فالأمر بات محكوماً بواقع المؤسسات ذاتها وهو واقع بات أكبر بكثير من قدرة الأشخاص أصحاب النوايا الحسنة المؤطرين فيها على إحداث التغيير، مثل السلطة نفسها التي أنتجها اتفاق أوسلو وباتت أسيرة له، وبات الاتفاق نفسه أكبر من السلطة ذاتها في المسار الذي حفره هذا الاتفاق المهين والمذل طيلة ربع قرن من الزمن، الذي أنتج بنية اجتماعية-اقتصادية-ثقافية، لا يستطيع رئيس وفريق السلطة تخطيها وتجاوزها والذهاب إلى إلغاء الاتفاق، والقول أن (إسرائيل) أنهت أوسلو هو محض لغو وهراء، فالكيان الصهيوني لن ينهي أو يتخلى عن انجازاته، فهي رصيده وكنزه الاستراتيجي لخدمة أغراضه ومشاريعه ومخططاته، ثم أن أوسلو لا ينتهي مادام خط ونهج وخيار التفاوض والسير فيما يسمى (عملية سلمية)، وهو جاثم على رقاب شعبنا مادام التنسيق والتعاون الأمني قائماً، ويحول دون إطلاق طاقات شعبنا الكفاحية، وأما الفترة الانتقالية التي تحدث عنها بيان المركزي وأنها لم تعد قائمة، فهي عملياً منتهية منذ عام 1998، أي بعد 5 سنوات من اتفاق أوسلو المشؤوم، وحل محلها مخططات ومشاريع التهويد والاستيطان المتعاظم والمتوغل في أرجاء القدس والضفة الغربية في شمالها وجنوبها وغورها.

لسنا انتقائيين عند قراءة البيان الختامي لأعمال المركزي الذي انعقد تحت حراب الاحتلال وبموافقته، وبالتأكيد برصد كل نفس في أروقة قاعة الاجتماع، وفي التحكم في الداخل إليها والخارج منها.

ولسنا عدميين في إنكار مواقف بعض من شارك في الاجتماع من أصحاب النوايا الحسنة، الذين طالبوا بإلغاء وثيقة الاعتراف وليس تعليقها، وبإلغاء أوسلو وليس الالتفاف عليه بالقول أن الفترة الانتقالية لم تعد قائمة، وبالإقلاع عن نهج المفاوضات وليس البحث عن وسيط آخر فالمشكلة ليست في الوسيط، والولايات المتحدة الأميركية لم تكن يوماً وسيطاً حتى يقال أنها كانت نزيهة أو منحازة، فهي صاحبة المشروع التسووي التصفوي، مشروع إنهاء الصراع الذي وضعت أسسه ومساره في مؤتمر مدريد.

لسنا انتقائيين عند قراءة البيان الختامي، ولسنا من الذين يضعون علامة إعجاب على بند يدغدغ العواطف والمشاعر، أو علامةx  على بند ينضح بالتأويل والالتفاف والتكاذب، فالمركزي في اجتماعه الأخير افتقد القدرة على استخلاص رؤية جديدة تنطلق من أن قضية فلسطين برمتها باتت أمام مرحلة جديدة، وهذه هي (الحلقة المفقودة)، فلم يعد يصلح لانقاذها نفس النهج والعقلية المساومة التي سارعت بالقول على لسان أحد أعضاء اللجنة التنفيذية أن مسألة تعليق الاعتراف بـ (إسرائيل) تقرره اللجنة التنفيذية في الوقت المناسب.

طالما أكدنا على أن الاستحقاقات الوطنية في المفاصل والمنعطفات التاريخية، وعندما تتعرض الأوطان لأخطار التبديد والضياع، ومصير الشعوب للتشتت والنيل من حقوقها في التحرر وتقرير المصير تكون الاستحقاقات من طبيعة كفاحية صراعية، وتتجسد في سحب وثيقة الاعتراف واعتبارها باطلة ولاغية وكأنها لم تكن، وتمزيق اتفاق أوسلو، وفك كل ارتباط بمعسكر أعداء أمتنا وبالمطبعين الذين اندمجوا بالمشروع الصهيوني، وفي التوقف عن ملاحقة المقاومة والمقاومين والتعاون والتنسيق الأمني مع العدو.

ويحتاج هذا إلى حوار  وطني عميق وحقيقي، عنوانه الرئيس ليس تمكين حكومة الحمدلله من التمكن في قطاع غزة، بل الوقوف عند المخاطر التصفوية الجادة التي تهدد قضية فلسطين، وإجراء تقييم ومراجعة شاملة، والتوصل لرؤية وطنية وإستراتيجية جديدة، تنهي تلك الحقبة المأساوية التي عاشتها قضية فلسطين، وعاشها الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، وعند هذا فقط تكون الضارة نافعة، وتكون الصفعة قد فعلت فعلها فأيقظت الضمائر، ونمتلك الإرادة من أجل تحويل التحديات إلى فرص واعدة للنهوض الوطني، وعكس ذلك تظل الأوهام واللهاث وراء الحلول التسووية التصفوية سيدة الموقف.

لقد حركت صفعة ترامب حول القدس عاصمة للكيان الصهيوني ضمائر الأحرار والشرفاء في الأمة، وألهبت مشاعرهم وحماستهم وعبروا عن غضبهم وسخطهم، وعن مركزية قضية فلسطين في أمتنا، وهذا ليس بغريب حتى لو غاب لبضع سنوات بحكم الأوضاع التي عاشتها أمتنا في السنوات الأخيرة، لكن هذا لا يغير من واقع الحال مادام يفتقد البعد الفلسطيني الراسخ في المقاومة، وخاصة أننا أمام سلطة وقيادة تحظى بالاعتراف بها ممثلة لفلسطين في المحافل العربية والدولية لم تلتفت لا لنضالات شعبنا في الداخل ولا لتضحيات الشهداء، ولا أنين الجرحى ولا عذابات الأسرى، ولا للحجارة المتناثرة من تهديم البيوت كما حصل في جنين مؤخراً، وهي بالتالي لا تضع هذا كله بعين الاعتبار فوجهتها ليست الجماهير وإنما للجامعة العربية تارة ولمنظمة التعاون الإسلامي تارة أخرى وإلى البحث عن وسيط آخر لما يسمى عملية السلام.

وفي كل الأحوال تبقى المهمة الوطنية الملحة هي مواصلة المقاومة وتصعيدها، والصمود في مواجهة التحديات الخطيرة وإفشالها أهدافها، والنهوض من جديد مستندين إلى إرادة وعزيمة المناضلين في صفوف شعبنا، وإلى محور المقاومة وجبهة المقاومة المتسعة في الأمة وهي باتت قلعة حصينة، وقضية فلسطين في صلب فكرها وبرنامجها الكفاحي.

عن علي محمد

مدير التحرير