الجمعة , 20 يوليو 2018
مجلة فتح
الرئيسية 10 ثقافة وفنون 10 شجون فلسطينية: أيقونات فلسطين في الزمن المختلف
شجون فلسطينية: أيقونات فلسطين في الزمن المختلف

شجون فلسطينية: أيقونات فلسطين في الزمن المختلف

أحمد علي هلال

( مجلة فتح العدد – 710 )

سألوه وهو معصوب العينين ومقيد اليدين، كيف تشعر؟، فقال أشعر أنني بطل.. ومضى غير آبه بالطريق ولا بكثافة الجنود الذين يقتادون عصفوراً إلى قفص هناك، وأما من ركلت ذلك الغازي وأتبعت الركلة بصفعة لزميله، فلم تقل نظرتها غضباً وتحدياً وجسارة، ليتم اقتيادها ليلاً وبعثرة محتويات منزلها وأشيائها الخاصة، لتقول لسجانيها أخيراً: لست نادمة عما فعلت وما سأفعله وما فعلته.

فارس وجمال وعهد ومنار ويوسف وخليل ترتير، ومن سبقهم ومن سيلتحق بهم، في فجريات فلسطين الطالعة نهارات مقاومة، أطفال فلسطين الذين كبروا في حقل النار، وسبقوا أعمارهم، واجترحوا معجزات سوف تُرى، أعمارهم الغضة، المحمولة على جسارتهم، جسارة الانتباه في الزمن الصعب، أطفال فلسطين أسرى وشهداء، مقاومون من طراز خاص، بأرواحهم المقمرة وبأصواتهم الجسورة، وكيف يجذبون اللغات والأبجديات إلى مدونة فلسطينية جديدة، تُكتب بأسفار أطفال فلسطين، وكيف جعلوا للمقاومة أكثر من اسم وهوية وعنوان.

بلى….

لقد أيقظوا كل نهارات فلسطين ولم يعبأوا بعواء السجانين ووحشيتهم، بل خوفهم من صبية ألقموا تلك النهارات ورد قلوبهم وزنروها بأعالي أرواحهم، كانوا المقاومين خلف وأمام الخطوط، بل كانوا خطاً متقدماً على هذه الأرض، المشبعون بثقافة الحياة وثقافة الرفض، ولم يستطع السجان إكراههم على الاعتراف، إلا اعتراف وحيد بأنهم فلسطينيون جداً، وبأنهم ينتمون حقاً لهذه الأرض التي تشبههم وتشبه كل جزء من أجسادهم، من القلب إلى القلب، ومن الرأس حتى انتهاء الجداول في البحار الراسيات، هم شباب الأرض الذين تعلموا منها كيف تكبر سريعاً وكيف ترتفع سماواتها أكثر، كما حلم بأكثر من جناح يخفق في الأوصال، ويخفق في قلب فلسطين/ القدس، وأمثولتهم أبداً أننا نولد كل لحظة كل دقيقة، كل خفقة زيتونة ورعشة سنبلة، كل صهيل في الأغاني والبنادق، وكلما يبتدئ من الجرح برق لا ينتهي.

تلك صورهم وذلك استعار جنون الغزاة المرتبكون، والمحتمون ببنادقهم وأنّى لهم أن يكسروا ورد الصباح، وأن يخنقوا نبض السنابل الراعشات، أولئك أطفال فلسطين الذين ترعرعوا في أكاديميات الجرح وحفظوا دروس الهوية، وصاروا كيمام الأقصى يطير ويحلق ليرسم سماوات جديدة فوق أرض غسلتها الشموس منذ أزل الحلم والكلمات والتراتيل.

فهل قبضوا على أحلامهم التي تطيرت لتجوب أنحاء البلاد، محض أجساد صغيرة شبه للغزاة أنهم ساقوها للأسر، ولم يقووا على أحلامهم الكبيرة، لأنها صارت بحجم أعمار كبيرة، مازالت تقض ليل الغزاة اللائذون بأوهام توراتهم.

كانوا حروف النشيد، بل النشيد ذاته الذي عطر حبات التراب وذرات الهواء، والدروب التي مشاها الفدائيون، والشهداء والشهود، وحراس الأزمنة، ومازال النشيد يرتفع على سارية كل صباح، ليقول ويتصادى القول في الجهات الأربع، إننا فلسطينيون وكفى، ولن ندع لظلالكم أن تتمدد في أرضنا ولتخرجوا من أيامنا ومن غدنا، فغدنا لنا قد جئناه على وعدنا وعلى حروف جسارتنا، ولا مكان لكم في ذكرياتنا وذاكرتنا مهما ادلهم وطال ليلكم، نحن –أطفال فلسطين- من استجبنا لأقدارنا لأننا أردنا الحياة، ولتذهبوا إلى النسيان.

الآن نوزع أسمائنا لتصبح واحدةً ويصبح لها ذلك الاسم الذي تخشونه كثيراً… فلسطين، وها هي طفولتنا تقاومكم لأنها جاءت من الغد وأنتم من جئتم من كهوف الأساطير ومن زيف الخرافات، ومن ماضٍ سوف يمضي، ها قد كبرنا جيلاً فجيلاً، وترون أن كبارنا ذهبوا لكننا لم ننسى، ولن نغفر.

تلك الكلمات التي قالها أطفال فلسطين وهم يساقون للزنازين، ويهزأون بالمحاكمات الصورية ويغيظون الجلاد بضحكاتهم، إنها فلسطين في مسيرتها وفي أعمارها الأخرى، من تقف تحت قوس لا عدالتهم لتحاكمهم بأطفالها وشهدائها وتاريخها.

عن علي محمد

مدير التحرير