الإثنين , 19 فبراير 2018
مجلة فتح
الرئيسية 10 ثقافة وفنون 10 إضاءة في رواية كفر نعمة
إضاءة في رواية كفر نعمة

إضاءة في رواية كفر نعمة

أحمد على هلال

( مجلة فتح العدد – 710 )

تبدو رواية (كفر نعمة) باسمها الافتراضي للروائي والإعلامي والأديب والمسرحي السوري داود أبو شقرة في الراهن الإبداعي، ذروة جديدة في سياق مشروع تتواتر حلقاته ليس على مستوى موقفها من التاريخ فحسب، بل على مستوى إعادة إنتاج لحظة فارقة في حلقاته المثيرة، ومواضعاته وإحداثيات خطوطه وبالقدر الذي يعني انفتاحه درامياً ورؤيوياً، إذ يبدو التاريخ غير مكتفٍ حينما يذهب إليه الروائي برؤية، أو بزيارة جديدة مستثمراً من خفاياه ومن مروياته لا سيما الشفوية ما يمكن له أن يحمل غير واقعة على تخييله وانفتاح دلالته لتبدو (كفر نعمة) في هذا السياق بوصفها -قرية مصرية- كبؤرة سردية ومكانية في قلب دلتا النيل المصري، تحاكي تاريخاً بعينه لكنها تتطير منه إلى ما هو أكثر من مدونة وذلك عبر حقل دلالي ستتضح لنا فيه الأحداث والشخوص في إطار محكيات سردية تتعالق بشغف البحث والمغامرة والاكتشاف، وما بين الفكرة التي يحصل -المؤلف الضمني- من مكتبة مدبولي ليجترح منها ما يمكنه مزج الواقع بالمتخيل الروائي، إذ أن سلطة التخييل ستفارق الواقع وعلى غير مستوى، أي في مستويات إضافية تقوم على تقانات الرواية الحديثة واستثمارها استثماراً خلاقاً، لا يفرط بميراث الواقعية واللغة الإحيائية، بل يذهب وعبر ستة وأربعين فصلاً، إلى استبطان ما يمكن تسميته بالمسكوت عنه تاريخياً، وبذات الوقت إلى تلك المعادلات اللغوية على مستوى إيقاع شخصياته وخطوطها السردية والدرامية، المتواشجة في نسيج القص، فما هو مفتاح السر الذي يكمن لدى مدبولي، ويضعنا الراوي أمام حقيقة أنه وضع يده على ذلك المفتاح، وما هي حكاية الشرقاوي والربابة النيلية ومروياتها وأشعارها ومواويلها، كل ذلك سيدفعنا إلى الانطلاق في مناخات رواية تقف في الراهن الواقعي زمن الرئيس (حسني مبارك)، إلى الزمن المستمر وأسئلته التي يتعالق بها مرة أخرى التاريخ الماضي بالتاريخ المستمر، وما دلالة حضور مخيم الغجر بالمعنى المديني المنافس لمدينة المنصورة والمحلة، وأكثر من ذلك كيف يصبح الواقع واقعاً جديداً، ومن قلب واقع معروف ولعل ذلك ما يُسقط على تلك الشخصيات من أمثال (الحربي والشرقاوي وعفت وعزيزة)، بحيث تتولى تدوين ذلك التاريخ المتصل المنفصل، وكل ذلك سينهض بمعادلين أي ما بين الوثيقة والواقع، والواقع بوصفه واقعاً جديداً، في فضاء متخيل اسمه (كفر نعمة التي تنام على سرير من الطمي اللحقي الذي حملته المياه عبر ملايين السنين من أعالي النيل تنبسط وهادها وقيعانها بين ترعة المنصورية ونهر النيل)، (وعلى الجهة الثانية –إلى الغرب- من كفر نعمة يقع نهر النيل المجرى الرئيس، أو بحر النيل حسبما يسميه العامة في مصر المحروسة)، وهذه القرية/ كفر نعمة قد شهدت أحداثاً مختلفة ستبدو في أفق تغيير ستتبعه أسئلة إضافية، ليس بتواتر الأحداث الخمسة بل بماهية ما انطوت عليه تلك الأحداث، ومدى ما تركته من تأثير محتمل في ذوات شخصياتها (عفت،عزيزة) على سبيل المثال، لكننا مع شخصية الحربي سنقف وعبر غير دالة روائية/ سردية على ما استبطنه سياق الرواية من الغوص في قلب الوثيقة التاريخية ليحاكيها بمدونة روائية يتلون محكيها بالشفاهي وطبقاته، ومدى ما يعنيه في الوجدان الجمعي لا سيما الشعبي، وبخصوصية لهجة بعينها (المصرية)، ستبدو في الدلالة المنتظرة متناً روائياً يحاكي السلوك والتفكير وسيرنة الشخصيات وجدل الأفكار المختلفة، عبور من الماضي إلى الحاضر بلغة عارفة تتضافر مستويات لتشي بالعلامة اللغوية الفارقة، المحمولة على السخرية الناقدة، والتي سنجد معها ذلك (الحربي) ما بين المتخيل والواقع، وما بين تدوير زوايا السرد، وتبئير الشخصيات سيشكل غير أفق للحكاية يخصب تأويلها وليضايف الروائي  -داود أبو شقرة- محكيها بالراهن، الذي يحملنا إلى حقيقة الحربي-المدبولي، الحربي بن المطاوع بن أبي المجد المصري بن نعمة، فهل كل مظلوم سيتحول إلى حربي، ويتوحد (الحربيون) جميعاً ويقول كل حربي منهم: هذه حربي، عندئذ ينهار الظلم بأكمله وبسرعة، تلك ثيمة رواية مفتوحة على الواقع بقدر ما تستثمر تخييلاً فاعلاً وخلاقاً، يغاير في الأنماط السردية، ليشي بقدرة الروائي المبدع داود أبو شقرة، ليس على المحاكاة والاستشراف فحسب، بل على الإضافة والتجاوز في المنجز السردي وبالمعنى الحداثي، وبالقدر الذي تثيره أسئلتها، على مستوى الخطاب الروائي-النقدي، واشتباك أسئلة الماضي بالحاضر والمستقبل، عبر جدلية يأخذنا إليها روائي غير مكتفٍ بها، ليصوغ أمثولةً روائيةً تجدّد في دلالات العلاقة الروائية زمناً وحكايةً ومكاناً وأكثر من ذلك تاريخاً ُمستعاداً.

الكتاب: كفر نعمة

المؤلف: داود أبو شقرة

الطبعة الأولى 2017

دار كيوان – سورية- دمشق

 

عن علي محمد

مدير التحرير