الثلاثاء , 19 يونيو 2018
مجلة فتح
الرئيسية 10 ثقافة وفنون 10 شجون فلسطينية: يوم الشهيد الفلسطيني استعادة الذكرى والذاكرة
شجون فلسطينية: يوم الشهيد الفلسطيني استعادة الذكرى والذاكرة

شجون فلسطينية: يوم الشهيد الفلسطيني استعادة الذكرى والذاكرة

أحمد علي هلال

( مجلة فتح العدد-709)

برمزيتهم القصوى، وبمآثر تركوها وصايا لنا، وللتاريخ وبأيامهم القادمة من المستقبل، تلك صحائفهم وسطورهم الأبقى، إنهم الشهداء – الشهود الذين منحونا كل هذه الذاكرة الخصبة على الدوام، والمضرجة بالوعد وبالعهد على أن طريقهم لمّا يزل يأخذنا إليها/ فلسطين، لتتجدد كقضية، وتتوهج كحالة عشق احترفها الشهداء، يوم الشهيد الفلسطيني وهو يعبر أزمنتنا –هذه- يعيد لنا كل المعاني السامقة التي اختزلتها اللغات وباحت بها أمكنتهم، حيث مسقط أحلامهم ومهوى بنادقهم في اجتراح معادلة النصر على عدو الشمس والإنسان.

كيف للغة ألا تتجدد وهي حاملة الأسماء والصفات والأبعاد، وكيف لا تغتني بأسمائهم الواضحة وضوح الحقيقة في زمن المقاومة، ذلك الزمن الذي ابتدأ ولن ينتهِ، زمن تواترت فيه  البشائر قائلة بأنه زمن الشهداء الأحياء الذين منحونا كل حيواتهم، لتستمر الأرض غضباً مقدساً، وتكنس ظلال الغزاة «المارون بين  الكلمات العابرة» كما هي رؤية شاعر، بل هي رؤية شعب مازال مكانه تحت الشمس أبداً، ويوم يودع شهدائه يستقبل الحياة ليكتب الأسماء الراسخة على اللوح الأزلي من جديد.

ولتنبعث بقامات السنابل ويركض صهيلها في حبات القمح، في خصيب الأرض المباركة، منذ أحمد موسى والأجيال التي تبعته قادةً، وطلائع، تصادت أسماؤهم في وعينا الجمعي الفلسطيني، وهم من امتدح موتهم/ حياتهم، الحياة، وذهبوا إليها خفافاً، كمن يذهبون إلى حلم طليق كان اسمه وما يزال: فلسطين، من نهرها إلى بحرها، ومن نبضها إلى جهاتها ومن درة العواصم -القدس- إلى آخر وصية لإبراهيم أبو ثريا وأجياله من الشهداء الذين لم يبرحوا الدرب الموصلة إلى شرايين البلاد كلها.

قال الشهيد: إني البداية ولست النهاية، لتبتدئ الحكايات مزنرة بشقائق النعمان، إني البداية الطليقة بما يكفي بأن أمتد إلى التخوم والأقاصي وإلى آخر نبض في الجسد، إني البداية لأكون جسر الحالمين بغد البلاد وهو يشرق على الجهات-جهات القلب، قد قمت حقاً قد قمت، بصوتي الصارخ في البرية فهل أخذتم كتابي بقوة، إني الحياة إذن حينما تُعلن قيامتها، وإني صحو التراب حينما يعلن أن من سكنه من أجداث الأجداد قد غدا سنديانها، ولون برتقالها ونكهة زيتونها، وشذا زعترها البري، ومفتاح عودتها، إني المتوسد حجراً بنى بيتاً منذ وصية الفلسطيني الأول بأن لنا هنا ماض وحاضر ومستقبل، وبأن لأرواحنا مقام جديد ولو تغير الشكل والمقام، دمي هويتي، كينونتي الأولى، لأسرع في نسغ الأشجار الواقفة ولأتفجّر في الأرض ينابيعاً تحتضن مقام الشهداء، وفي حضرة أرواحهم العالية تذهب اللغة إلى حيث تطل من علٍ، تطل على ما تريد وأكثر.

وقال الشهيد: قد تركنا بينكم أسمائنا فاحفظوا عنا الطريق إليها لتظل البلاد أجمل حقيقة تُروى، وأجمل حكاية يسردها تاريخ فاعل لمّا يزل يخيط الجهات بقلم رؤيته، تداعت الجهات لجرح كي يلتئم.

إن القادمون على صهوات الريح نديرها كيفما شئنا، نغلب التيار ولا يغلبنا، ليبقى الوطن بين عيني الحكاية باهراً وباقياً.

وفي المدى الذي رتب وصايا الشهداء وعطرها بالحضور، من أجل ذاكرة الحضور، ظل الكلام أقل مما يروي لأن أفعالهم –الشهداء- ظلت هي الكلام العابر للأزمنة والأمكنة واللغات، مثل كلمة الله حينما تمس جسد الأرض فتخصبها، ويصير الشهداء زهرها المتوج بالضياء.

وفي كوكبة الأسماء التي صارت نجوماً تزين كل سماوات الحقيقة، صارت أشجاراً ظلت تحترف الوقوف بوطن ليس يُنسى وليس يُمحى وليس يغيب، افتتحت الأبجديات في ألق الذاكرة كل صفحات الذكرى، وهي تتنزّل على سطور التاريخ ببهاء المحارب-المقاوم، وتصير السطور-سطورهم بوابات لأزمنتنا القادمة الراعشة الصهيل… تلك أسماؤهم وهذا حضور فلسطين.

 

 

عن علي محمد

مدير التحرير