الثلاثاء , 18 سبتمبر 2018
مجلة فتح
الرئيسية 10 ثقافة وفنون 10 رمزيات الانتفاضة الأبهى
رمزيات الانتفاضة الأبهى

رمزيات الانتفاضة الأبهى

بقلم : لمى خاطر

( فوزي الجنيدي – إبراهيم أبو ثريا – محمد أمين عقل – رفقة القواسمي – عهد التميمي )

مهما عَظُمت جهود الآلة الإعلامية والدعائية التي ترافق ثورة أو هبة شعبية، ومهما أبدعت في رسائلها التحشيدية والتعبوية، فإن تأثيرها لن يبلغ ما تصنعه الرموز الحية التي تتجلى تلقائياً خلال الحدث، إن بفعلها المباشر، أو بما قد يقع عليها من مظلومية، فالرمز الحي يتفاعل ويمتدّ حتى يغدو أيقونة للثورة، وقنديلاً معلّقاً في وعي الجماهير، يستعصي على الاندثار، ويظل نابضاً بالنور الهادي والمحفّز.

 

في الهبّة الفلسطينية الأخيرة التي أعقبت قرار الرئيس الأمريكي ترمب الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني، احتشدت رمزيات عديدة خلال فترة وجيزة لم تتجاوز الأسبوع، وكانت متنوعة مكاناً وظروفاً وتأثيرا. لكنّ ما نظمها في عقد واحد زيّن جيد فلسطين كان تلك السطوة الإعلامية التي صنعتها، واستقطبت تفاعل الأمة كلّها، بل إن أثر بعضها وصل أقاصي العالم، وتحوّل إلى رموز خالدة، وثّقتها لوحات بعض الفنانين أو قصائد الشعراء، أو تفاعلت معها منصّات عالمية عديدة.

كانت البداية مع الفتى (فوزي الجنيدي) من مدينة الخليل، الذي اعتقلته كتيبة من جيش الاحتلال ثاني أيام الهبة، بعد ضربه وتقييده وتعصيب عينيه، غير أن مشهد شموخه وتعاليه على ترهيب الجنود المدججين بالسلاح الذي وثّقه الإعلام ما لبث أن غدا رمزاً للشجاعة، ولإرادة الحرية التي يعيشها صاحب القضية العادلة حتى لو أثقلته القيود وحجبت عنه الضياء، فالفتى فوزي ابن المدينة المنهكة بالاستيطان والتهويد صار رمزاً ارتسم على لافتات التظاهر في مختلف الساحات المتضامنة مع فلسطين، وملهماً لفنانين وأدباء كثيرين، كل منهم أوحى له المشهد بلوحة أو فكرة خاصة.

ومثل الرمز فوزي، كان البطل الشهيد إبراهيم أبو ثريا من غزة، ذاك الذي حمل جسده ندبة قاسية من قصف صهيوني عام 2008، أفقده قدميه، لكن روحه ظلت نابضة بالحياة والحركة والإقدام، واستحال جسده كله أقداماً تسعى إلى ميدان النفير بدل انتظار الموت في حرب أخرى، كانت رمزية إبراهيم أبو ثريا تتجسد منذ بداية الهبة ومشاركته اليومية في فعالياتها على حدود قطاع غزة، وكانت الرسالة البليغة التي تحملها خطواته المحفورة على الرمل دونما أقدام تصل إلى كل المعنيين، فيعونها ويحفظونها حتى وإن أحجموا عن الإفصاح عنها، لأنها رسالة تُخجل المختبئين خلف أعذارهم، كبيرةً كانت أم صغيرة، والمنتظرين أن يفلسفوا هبة القدس ويبحثوا في جدواها، ومثلهم كل الراضين بمواقعهم أمام الشاشات، وعلى أرائك التروّي.

ثم جاءت شهادة إبراهيم أبو ثريا،  لنجد أنفسنا أمام حالة كاملة غير محتاجة لمن يشرحها أو يسهب في تعداد دلالاتها، إنها حالة لا يجدي معها سوى الصمت الجليل في حضرة العظمة القصوى، ثم ارتشاف عِبرها واحدةً واحدة، بصدق وتجرّد، ودون ضجيج أو ادعاء.

 

في اليوم الذي قضى فيه إبراهيم أبو ثريا، كانت هناك رمزية أخرى يكتبها الدم على مدخل مدينة البيرة الشمالي في رام الله، حينَ صفّى عدد من جنود الاحتلال الشهيد محمد أمين عقل، أمام كاميرات الإعلام ومنعوا إسعافه، كان المشهد يتقاطع في تفاصيل عديدة منه مع مشهد استشهاد الطفل محمد الدرة عشية انتفاضة الأقصى عام 2000، لكنه هنا، في هذه البقعة، وداخل حدود الضفة الغربية القريبة من القدس كان يسكب حسرةً من نوع آخر، فهذه الساحة التي يموج فيها الغضب، ويتفاعل رغبةً حثيثةً في المقاومة تسكن نفوس شبانها، هي اليوم عزلاء ومعتمة، عتادها الحجارة والسكاكين، وأحياناً بنادق بدائية محلية الصنع. كان محمد أمين يضع حزاماً وهمياً على خصره، لعلّه ابتغى أن يخيف الجنود به، أو لعلّه أراد أن يسجّل في لحظاته الأخيرة أمنية ناطقة ومصوّرة، فيها حنين لأمجاد الضفة يومَ كان شبابها يتزنّرون بالأحزمة الناسفة، فيُحْدِثون الإثخان، ويَعبرون مراحل العجز سريعاً وصولاً إلى سماء اكتمل بدر زَهْوِها وشموخها وعطائها.

أما الرمز النسائي الذي تجلّى تلقائياً خلال الأيام الفائتة فكانت المقدسية (رفقة القواسمي) التي تصدّت لمجندة صهيونية بعد اعتداء الأخيرة على المقدسيات المعتصمات في باب العامود، ورغم أن رباط المقدسيات في ساحات الأقصى وحوله هو في حدّ ذاته حالة فريدة للبطولة البهية، وليس مستجداً في هذه الهبة، إلا أن مشهد مواجهة المجندة الصهيونية وإيقاعها أرضاً وإلزامها بكفّ اعتدائها كان عميق الدلالة وجميل الوقع، وناطقاً بالنخوة والجسارة.

 

ويوم أمس كانت رمزية الطفلة عهد التميمي من قرية النبي صالح في رام الله ترتسم طيفاً يظلل أحداث الانتفاضة، ويعيد تذكيرنا بمشاهد تلك الفتاة التي تابعناها منذ طفولتها المبكرة وهي تقف في وجه جنود الاحتلال وتواجه اقتحاماتهم، ومعها كل أفراد عائلتها، وكَبر معها عنفوانها حتى صار يافعا، وفاعلاً لدرجة قدرته على استفزاز مشاعر قيادة كيان الاحتلال الذين رأيناهم يثنون على اعتقالها ووالدتها بعد طردها جنوده من محيط منزلها.

 

إن كثافة الرموز في هذه الهبّة ستظلّ وقوداً يعين على دوامها، ويحثّ على محاكاة صنيع رمزياتها الأبهى، وعلى استقطاب أنظار الأمة والعالم إلى فلسطين، وإلى معركتها الأقدس والأصعب. ولأن كل رمز يصنع أثراً مختلفا، ويترك توقيعاً خاصاً على صفحات القلوب التائقة للثورة والتغيير، فإن تلك الرمزيات ينبغي أن تظل محلّ احتفاء واستحضار وتذكير، فالزهد بها يُميت تفاعلاتها، والمرور العابر على سواها سيغري بإنكار آثارها واعتياد الفرادة، ولا أخطر على محطات التغيير من الاعتياد، اعتياد بذل الدم من الآخرين، واعتياد الانتهاك، واعتياد طعم الذلّ، واعتياد الانتظار.

عن علي محمد

مدير التحرير