الإثنين , 10 ديسمبر 2018
مجلة فتح
الرئيسية 10 شؤون حركية 10 حديث الوطن: خطوة ترامب الأميركية الصهيونية.. الأهداف البعيدة.. والاستحقاقات الفلسطينية الراهنة
حديث الوطن: خطوة ترامب الأميركية الصهيونية.. الأهداف البعيدة.. والاستحقاقات الفلسطينية الراهنة

حديث الوطن: خطوة ترامب الأميركية الصهيونية.. الأهداف البعيدة.. والاستحقاقات الفلسطينية الراهنة

بقلم: ياسر المصري

         عضو اللجنة المركزية لحركة فتح الانتفاضة

( مجلة فتح العدد – 708 )

في تاريخ الصراع العربي مع المشروع الصهيوني وعودٌ كثيرةٌ أطلقت ما بين عامي 1917 و2017، وفيها مساحة واسعة من النضال والكفاح والدماء قدم شعبنا فيها التضحيات الجسام للحفاظ على حقه في أرض فلسطين، والوعد الذي أطلقه أرثر بلفور لا يختلف كثيراً عن وعد ترامب بمنح الصهاينة حقاً ليس لهم، وكلاهما (بلفور – وترامب) قدما للحركة الصهيونية ملكاً ليس لهم، على حساب شعب له كل الحق التاريخي في أرضه، وما الخطوة التي قام بها الرئيس الأميركي سوى حلقة من حلقات الدعم الاستعماري اللا محدود للكيان الصهيوني من أجل تثبيت دعائمه في الوطن العربي بهدف تقسيمه وتمزيقه منعاً لأي وحدة عربية أو نهوضٍ لأي مشروع تحرري عربي.

وما أقدم عليه ترامب مؤخراً، ليست بالمفاجأة لمن يعرف طبيعة العلاقة ما بين أميركا والعدو الصهيوني، وهي ليست من طبيعة تحالفية فقط، بل هي من طبيعة عضوية تقوم على دور ووظيفة إستراتيجية يؤديها الكيان خدمة لأجندات المصالح الاستعمارية وفي المقدمة منها مصالح الولايات المتحدة الأميركية في منطقتنا العربية، والوعد الذي نفذه ترامب ليس جديداً لأنه صدر بموافقة الكونغرس الأميركي عام 1995، ولم ينفذ من قبل الرؤساء السابقين (كلينتون، بوش، أوباما) لأن الظروف السياسية لم تكن ناضجة بالشكل الكافي لتطبيق ذلك القرار، حتى جاءت اللحظة المناسبة في هذه المرحلة الزمنية والتي يخيم عليها حالة الضعف الفلسطيني والمتمثلة بأداء ما يسمى «السلطة الفلسطينية» التي تقدم التنازل تلو التنازل بشكل مجاني ودون أي مقابل، وبذات الوقت هناك تشرذم عربي ومحاولات لحرف بوصلة الصراع في عدة دول عربية مركزية من قبل مجموعات إرهابية تكفيرية تحت ما يسمى (الربيع العربي) عن الصراع الرئيس مع العدو الصهيوني، إضافة إلى نظام رسمي عربي متواطئ ومتآمر على القضية الفلسطينية دخل في مشروع التطبيع مع الكيان الصهيوني بشكل علني بعد أن كان سرياً في السابق، وفي هذا الإطار تراجعت القضية الفلسطينية وأصبحت هامشية بعد أن كانت القضية المركزية للأمة العربية.

إن السياسة الأميركية في منطقتنا لم تتبدل أو تتغير يوماً، فهي الداعم الأساسي للكيان الصهيوني، ومن أولى أولوياتها أمن الكيان الصهيوني والحفاظ عليه، وهذا ليس تحليلاً بل إن كل الرؤساء الأميركيين يرون فيه الثابت الإستراتيجي في المنطقة، لذلك فإن من راهن على الولايات المتحدة الأميركية بأنها وسيطٌ نزيهٌ في ما يسمى بعملية السلام، وراعية للسلام، تناسى الدور الذي تقوم به أميركا في العالم بأنها الراعي الأساسي للإرهاب و الداعم للنظام الرجعي العربي في مواجهة مصالح الجماهير العربية، والموجه للعصابات الإرهابية في سورية والعراق واليمن من أجل تدمير قدرات الأمة العربية، كما أن دور أميركا كان واضحاً في تقسيم السودان، ومحاولة انفصال كردستان والعراق، وغير ذلك من الأدوار التي تهدف إلى إضعاف وتقسيم وتمزيق الأمة العربية.

واليوم فإن خطوة ترامب بإعلان القدس عاصمة للكيان الصهيوني، ونقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة، تأتي في ذات السياق المعادي الذي قامت وتقوم به الولايات المتحدة الأميركية تجاه شعبنا الفلسطيني القائم على دعم الاستيطان، وتزويد الكيان بأحدث أنواع الأسلحة، وإعطاءه الضوء الأخضر في شن كل الحروب التي خاضها، والوقوف إلى جانبه في معظم المحافل الدولية، واستخدامه لحق النقض (الفيتو) إذا ما تم المس من أي طرف كان بمصالح الكيان الصهيوني، وذاك الدور لا يخص البعد الفلسطيني فقط، بل إنه يحارب بكل قواه محور المقاومة وعلى رأسه سورية العروبة المتمسكة بثوابت القضية الفلسطينية، وإيران الداعم الإستراتيجي للمقاومة، وحزب الله، والفصائل الوطنية الفلسطينية المقاومة.

ومن جهة أخرى فإن المثل الشعبي «رب ضارة نافعة» يمكن إسقاطه على الواقع السياسي العربي والفلسطيني، أي أن تلك الخطوة التي أقدم عليها ترامب، بقدر ما هي خطيرة وكارثية فإنها بالمقابل أعادت القضية الفلسطينية إلى واجهة الحضور السياسي والإعلامي والجماهيري، وشكلت حالة فرز بين من هو متواطئ على فلسطين وبين من هو معها وصفعت أولئك الواهمين بالسلام مع الكيان الصهيوني والمروجين له والذين يعتبرون أميركا وسيطاً نزيهاً، كما أنها حركت الشارع العربي في العديد من العواصم والمدن العربية التفافاً حول القدس وفلسطين، وأعادت بوصلة الصراع إلى مسارها الصحيح باتجاه الكيان الصهيوني، وبينت للقاصي والداني أن من يراهن على جامعة الدول العربية أو منظمة التعاون الإسلامي أو غيرها ليس إلا كمن يراهن على سراب، لأن تلك الأطر السياسية مجرد فقاعات لا تعدو كونها قنابل صوتية دون أي موقف له تأثير على مستوى القضية الفلسطينية ودعمها ومساندتها.

ومن الناحية الأهم فإن الموقف الفلسطيني هو الأساس في أي حراك سياسي وهو الطليعة في أي خطوة في إطار المواجهة مع الكيان الصهيوني، لأن الشعب الفلسطيني يُعتبر(الخندق الأول الذي يقف سداً منيعاً) في الصراع مع المشروع الصهيوني، وبقدر ما يكون السقف السياسي مرتفعاً فلسطينياً بقدر ما ينعكس على الآخرين، ولا يمكن أن نطالب بموقف معين من هذا الطرف وذاك دون أن يكون لدينا موقفاً متقدماً متمايزاً على الآخرين، فما سمعناه مؤخراً في جامعة الدول العربية وفي منظمة التعاون الإسلامي من قبل (السلطة الفلسطينية) لم يرتق للحد الأدنى من طموحات شعبنا الفلسطيني، لأنها لم تعبر عن أي موقف جدي يشكل رداً على تلك الخطوة الأميركية، لا بل إنها مازالت متمسكة (بعملية السلام) ولن تتراجع عنها، وهذا ما صرح به ما يسمى وزير خارجية السلطة الفلسطينية (رياض المالكي)، إضافة إلى موقف (رئيس سلطة الحكم الإداري الذاتي) في القمة الإسلامية الأخيرة والذي تغنى بتمسكه بها مع تغيير الراعي الأميركي، لكن دون الاقتراب من أي موقف سياسي يزعج به الأطراف المعنية (بعملية السلام) فبقيت المواقف في سياق الشعارات الجوفاء المتكررة، لكنها لم تصل إلى الموقف المطلوب وطنياً وخاصة لجهة اتفاق أوسلو أو الاعتراف بالكيان الصهيوني، أو التنسيق الأمني مع أجهزة الأمن الصهيونية أو دعم المقاومة.

وفي كل الأحوال فإن الخطورة ليس في نقل السفارة الأميركية وحسب بل يتعدى ذلك في أنها الخطوة الأولى في ما يسمى (صفقة العصر) التي يطرحها ترامب وتقوم على قاعدة تشريد الشعب الفلسطيني وتهجيره من الداخل إلى صحراء وسيناء، وتبادل الأراضي، وعلاقة كونفدرالية في الضفة مع الأردن والكيان الصهيوني إضافة إلى (السلطة الفلسطينية)، وتوطين الشعب الفلسطيني بالخارج، وشطب حق العودة للاجئين الفلسطينيين، ويبقى الاستيطان في الضفة الغربية على حاله، ويحصل مقابل ذلك الفلسطينيون على دعم وإغراء مالي غير محدود من دول عديدة وعلى رأسها السعودية في سبيل إقناع الفلسطينيين بالصفقة، وهذا ما تم تسريبه في العديد من الوسائل الإعلامية.

وفي هذا السياق فإن المطلوب فلسطينياً من أجل حماية القدس أكثر بكثير مما هو حاصل اليوم، وخاصة أن هناك عدة عوامل تعرقل أي خطوة عملانية في مواجهة الأخطار والاستحقاقات الراهنة، التي تهدف في نهاية المطاف إلى تصفية القضية الفلسطينية بالكامل، على حساب الحقوق الوطنية والتاريخية للشعب الفلسطيني مقابل فتات سياسي وحلول لا تعيد الحقوق، بل تكرس الكيان الصهيوني على أرض فلسطين وتشرعه كما حصل في (اتفاق أوسلو) الكارثي والمشؤوم والذي كان المقدمة في سلسلة التنازلات التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه اليوم، والذي قسم الشعب ومزق الأرض، وبدد الهوية، وهُمشت منظمة التحرير لحساب (سلطة فلسطينية هزيلة وتابعة) وشطب الميثاق الوطني الذي دفع شعبنا الفلسطيني من أجله الدماء الغزيرة، وتنازلت عن 78% من أرض فلسطين التاريخية، وسقط حق العودة، وأرجأ موضوع القدس إلى مفاوضات المرحلة الانتقالية، إلى أن جاء اليوم المناسب للإعلان عن احتلال القدس بالكامل.

لذلك فإن المرحلة الراهنة بكل ما يكتنفها من مخاطر محدقة بالقضية الفلسطينية تتطلب منا:-

* إسقاط اتفاق أوسلو ومفرزاته وكل ما يتعلق به من أشكال تنسيقية مع الكيان الصهيوني وأهمها التنسيق الأمني مع أجهزة الأمن الصهيونية.

* إلغاء وشطب رسائل الاعتراف المتبادل التي وقعت باسم منظمة التحرير مع الكيان الصهيوني وتم بموجبها التنازل عن معظم الأرض الفلسطينية وشرعنة الاحتلال الذي قاومه شعبنا الفلسطيني طيلة قرن من الزمن.

* العودة إلى الميثاق الوطني الفلسطيني الذي أُقر عام 1968، دون أي تعديل أو شطب في بنوده واعتباره المرجع السياسي الوحيد في الصراع مع العدو الصهيوني.

* الدعوة إلى حوار وطني شامل لجميع القوى الوطنية الفلسطينية والمكونات الشعبية والجماهيرية والشخصيات الوطنية المستقلة من أجل تقييم المرحلة السابقة للوصول إلى استخلاصات تحدد طبيعة وتوجهات المشروع الوطني الفلسطيني وآفاق تطوره.

* إعادة بناء لمنظمة التحرير الفلسطينية وتفعيلها وفق أسس ديمقراطية واعتبارها المرجع الوطني الفلسطيني في كل ما يخص تطورات القضية الفلسطينية.

* مواكبة حركة الجماهير الفلسطينية في الداخل والخارج من خلال تشكيل قيادة موحدة تعمل على إدامة الاشتباك مع الكيان الصهيوني وتطوير الأداء الانتفاضي وتقديم كل الدعم من أجل تعزيز صمود شعبنا الفلسطيني في الداخل والخارج.

* إسقاط وإلغاء كل المشاريع السياسية التي تنتقص من حق شعبنا في أرضه التاريخية من مبادرات أو اتفاقيات أو برامج لا تخدم مشروعنا الوطني والسياسي.

* اعتبار المقاومة المسلحة هي الخيار الأساسي في تحرير الأرض الفلسطينية والابتعاد عن أي مراهنات سياسية تحت مسميات المفاوضات أو عملية سلام أو غيرها.

* الالتفاف حول محور المقاومة واعتباره الخندق الإستراتيجي الداعم لشعبنا الفلسطيني في العملية الكفاحية وفضح وتعرية كل التكتلات الأخرى التي تساوم على الحق الفلسطيني.

* التنبه لمخاطر صفقة القرن والعمل على إجهاضها وعدم السماح لأي طرفٍ كان العبث بمستقبل الشعب الفلسطيني عبر مشاريع وهمية هدفها طمس القضية الفلسطينية.

* الابتعاد عن المراهنة على الأنظمة الرسمية العربية (محور الاعتدال العربي أو غيره) والتعويل على الشعب العربي والأمة الإسلامية في عملية التحرير كرصيد إستراتيجي وعمق حيوي في الصراع مع الكيان الصهيوني.

وفي النهاية لا بد من توجيه التحية لشعبنا الفلسطيني الذي هب في كل الأرض المحتلة عام 1948، إضافة إلى مخيمات شعبنا الفلسطيني في الخارج والمنافي، وإلى الشعب العربي في العديد من العواصم والمدن العربية والإسلامية، وإلى كل أحرار وشرفاء العالم، الذين وقفوا وقفة رجل واحد في مواجهة قرار ترامب وتأكيدهم على أن القدس الموحدة هي عاصمة فلسطين الأبدية، التي لا يمكن التنازل عنها مهما عظمت التضحيات، وأن فلسطين كل فلسطين من بحرها إلى نهرها ومن رأس الناقورة وحتى النقب هي أرض فلسطينية ملك للشعب الفلسطيني لا يُسمح لأحد أن يتنازل عنها أو يفرط بها، وسيبقى حق العودة هو الهدف الإستراتيجي الذي يناضل شعبنا الفلسطيني من أجل تحقيقه.

 

 

عن علي محمد

مدير التحرير