السبت , 20 أكتوبر 2018
مجلة فتح
الرئيسية 10 ثقافة وفنون 10 عن زهرة المدائن… وفيروز وشوارع القدس العتيقة
عن زهرة المدائن… وفيروز وشوارع القدس العتيقة

عن زهرة المدائن… وفيروز وشوارع القدس العتيقة

موسى مراغة

( مجلة فتح العدد – 708 )

أنها سيدة العواصم، زهرة المدائن، ومدينة السلام،إنها إلياء، قدس الأقداس مهبط الرسالات، ومدينة الأنبياء، فيها قيامة المسيح عليه السلام، ومسرى النبي(ص) ومعراجه إلى السموات العلا، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.

… وبعد هل هناك مدينة على وجه هذه البسيطة لها كل هذه الصفات والشمائل، أنها المدينة والوجود.. الرمز والحلم، الإعلان الإلهي بالأرض المقدسة المبارك حولها، إنها القدس حكاية خمسة آلاف عام من أيام اليبوسيين، والتي توالت عليها الغزوات إثر الغزوات … وبقيت صامدة، أما الغزاة فإلى زوال، أما القدس فبقيت راسخة في المكان والوجدان، هي القدس.. الجبال والوديان والسهول والروابي، أشجار الزيتون، الأسوار وأبوابها التاريخية، أسواقها وخانتها العتيقة، حاراتها الضيقة العابقة بروح السلام والمحبة.

القدس التي تتعانق فيها مآذن مساجدها مع أبراج كنائسها، هي رجع صدى آذان يصدح مع ترنيمات وصلوات الكنائس، إليها ترنوا أفئدة وعيون المسلمين والمسيحيين، ولذكرها تخفق القلوب فهي نبض الروح ولهفتها، وهي درب أمالنا وآلامنا على درب الجلجلة والوعد الإلهي.

أنها القدس برجالها شيبها  وشبابها، المرابطون والمرابطات في أكناف بيت المقدس، المدافعون عن قدسيتها وعن تاريخها الماضي والحاضر، إنهم المقدسيون المتصدين للغازي بصدورهم العارية وبقلوبهم العامرة إيماناً وعزماً على تحقق النصر.

لأجل كل ما سبق كان للقدس تلك المكانة الكبرى في قلوب ونفوس أبناء الأمة، ومن هؤلاء عمالقة الأغنية الذين واكبوا وتفاعلوا مع تلك الأحداث التي عصفت بالقدس وأبناءها، وقد ترجمت تلك المشاعر والانفعالات والأحاسيس بعدد غير قليل من الأعمال الفنية الغنائية التي شكلت فسحة حضور لهم وعبرت عن الإيمان الحقيقي والارتباط المصيري مع أبناء الشعب العربي الفلسطيني، وظلت القدس واسطة العقد ومحور الغناء للقضية الكبرى فلسطين كونها الأيقونة المقدسة التي حملت في رمزيتها حلم التحرير والعودة.

وتشكل تجربة الرحابنة حجر الزاوية في أغاني القدس والقضية الفلسطينية وكانت إسهامات السيدة فيروز والأخوين رحباني في مقدمة الأعمال الفنية الريادية ذات المستوى الفني الرفيع من حيث الكلمة واللحن والأداء، فشكل ذلك حالة ريادية على هذا الصعيد.

ولم تكن تلك الأغنيات مجرد كلمات أو الحان شجية تتغنى بالقدس وشوارعها وحواريها وأزفتها ومعالمها الدينية التي تزخر بها، لقد كان الهدف و الأمل من كل تلك الأعمال الفنية الرصينة العذبة زرع روح الأمل والتفاؤل، وعلى الحق الذي لا تنازل عنه، الحق بفلسطين من نهرها إلى بحرها وفي مقدمتها مدينة القدس، وشكلت تلك الأغنيات أنموذجاً يحتذى في التعبير الوطني الصادق الذي يرتقى بالصورة الفنية كلمة ولحناً وغناءاً.

ولعل تجربة الرحابنة شكلت فتحاً جديداً في مجال الأغنية الوطنية، فهناك أغنيات أخذت الشكل الشائع للأغنية الوطنية بطابعها الحماسي المليء بالحيوية، واستخدمت فيها الألحان ذات الطبيعة التي تماثل المارشات العسكرية، وهناك أغان أخذت الطابع الرومانسي في الكلمة واللحن والأداء «سنرجع يوماً إلى حينا» فالحنين هو  العنصر المسيطر، والتغني بالوطن وبالذكريات هو الحجر الأساس، أضافة إلى اليقين الراسخ بالعودة مهما طال الزمان وبعدت المسافات وأغنية «شوارع القدس العتيقة » التي غنتها فيروز جاءت إثر زيارة قامت بها مع الأخوين رحباني إلى مدينة القدس، ففي إحدى جولاتها في شوارع المدينة تقدمت منها سيدة فلسطينية وأخذت تروي لها قصة ماساتها، فتأثرت فيروز وبكت لحال تلك السيدة، وفي نهاية ذلك اللقاء وكرسالة حب وعرفان من تلك السيدة أهدت لفيروز مزهرية.

ومن هناك ولدت كلمات الأخوين رحباني في أغنية تقول:

مريت بالشوارع / شوارع القدس العتيقة/ قدام الدكاكين اللي بقيت من فلسطين حكينا سوا الخبرية/ وعطيوني مزهرية/ وقالوا لي هيدي هدية من الناس الناطرين.

أن هذه الأغنية تمثل معاينة لواقع المدينة التي كانت تعيش مأساتها والتي هي الوجه الأخر لنكبة فلسطين وأهلها.

وتتابع فيروز غنائها في تصوير حال المدينة قبل أن تداهمها الغربان السود وتعبث فيها خراباً ودماراً.

كان في أرض وكان في أيدين عم بتعمر تحت الشمس وتحت الريح /وكان في بيوت وصار في شبابيك عمر بتزهر / وصار في ولاد وبأيديهن في كتاب.

ولكن هذه الحالة لم تستمر طويلاً، إلى أن جاءت الأيدي السوداء، حاملة الخراب والدمار لفلسطين والقدس وأهلها:

والأيدي السودا خلعت الأبواب / وصارت البيوت بلا أصحاب.

ولكن رغم هول المأساة وما أصاب المدينة من نكبات، فإن صوت فيروز يأتي مجلجلاً ليطلق صرخة تحريضية بعدم الخنوع والاستكانة وليوقظ ذلك الصوت كل الضمائر النائمة.

عم صّرخ بالشوارع / شوارع القدس العتيقة/ خلي الغنية تطير عواصف وهدير/ يا صوتي ضلك طاير زوبع بها الضمائر / خبرهن عاللي صاير بلكي بيوعى الضمير.

ولعل أشهر ما قدم الأخوين رحباني وبصوت فيروز من أعمال فنية راقية كانت أغنية «زهرة المدائن» والتي تتربع على عرش أغنيات القدس رغم مرور أكثر من 50 عاماً، ولم تزل تعيش في الوجدان وتحفر في الذاكرة، وتنطلق الأغنية من حالة خشوع وجداني وروحي، يمزج طقوس العبادة التي تختزل المكانة الدينية للقدس في التراثين المسيحي والإسلامي، وبين الرحيل الرمزي إلى المدينة عبر نظرات الحزن التي تستجلي سقوط المدينة تحت حزب الاحتلال.

لأجلك يا مدينة الصلاة أصلي/ لأجلك يا بهية المساكن يا زهرة المدائن / يا قدس.. يا مدينة الصلاة … أصلي. عيوننا إليك ترحل كل يوم / تدور في أروقة المعابد / تعانق الكنائس القديمة / وتمسح الحزن عن المساجد.

ثمة براعة لافته في المزج الديني والوطني في «زهرة المدائن»، ومن إضفاء القداسة على الأمكنة، إضافة للتأكيد على البعد الروحي لهذه المدينة ولتعميق المفارقة بين القيم السامية التي تبشر بها الأديان السماوية وبين «القدم الهمجية » للاحتلال.

ورغم المأساة التي تعيشها القدس تحت الأسر، ورغم سياط الاحتلال والقيود المفروضة على أهلها، فإن الإيمان لم يفارق قلوب أهلها لحتمية النصر والأمل لا زال يعتمر القلوب.

الغضب الساطع آت وأنا كلي إيمان/ الغضب الساطع آت سأمر على الأحزان/ لن يقفل باب مدينتا فأنا ذاهبة لأصلي / سأدق على الأبواب وسأفتحها الأبواب.

وحين تنعي الأغنية الرحبانية قيم السلام والعدل والحب والمآخاة التي ترمز إليها القدس، تلك القيم التي سقطت بسقوط المدينة في قبضة الأسر، وعبر نبرة وجدانية يرسم اللحن تضاريسها، فإن الإيمان بالمقاومة وباستراد الحقوق، سرعان ما يعلن عن نفسه عبر انقلاب جذري في اللحن والبناء الموسيقي من خلال رؤية تُفجر الغضب وتلهب الشعور الوطني والديني في نفس المستمع.

الغضب الساطع آت، بجياد الرهبة آت/ وسيهُزم وجه القوة / البيت لنا والقدس لنا/ وبأيدينا سنعيد بهاء القدس / وبأيدينا للقدس سلام آت.

في«زهرة المدائن  » يحضر الفن السامي، وتحضر الجغرافيا والسياسة والتاريخ وتتآخى المعتقدات، مثلما تتآخى أمكنة العبادة في ملحمة تروي تعانق الأديان السماوية في مدينة السلام وتبشر بالغضب الساطع الذي سيأتي ذات يوم، ليحرر الأرض من دنس الاحتلال ليعود البهاء لزهرة المدائن، وتصدح تكبيرات المآذن لتتعانق مع أجراس الكناس معلنة النصر، بتضحيات الشرفاء في هذه الأمة والذين لا زالوا يقبضون على جمر المبادئ رافعين ألوية الكفاح خفاقة وعيونهم ترنوا إلى فلسطين حرة عربية.

 

 

 

عن علي محمد

مدير التحرير