الخميس , 18 يناير 2018
مجلة فتح
الرئيسية 10 ثقافة وفنون 10 شجون فلسطينية : انتفاضة القدس.. انتفاضة فلسطين ديمومة المقاومة المستمرة.. ووعد فلسطين
شجون فلسطينية : انتفاضة القدس.. انتفاضة فلسطين ديمومة المقاومة المستمرة.. ووعد فلسطين

شجون فلسطينية : انتفاضة القدس.. انتفاضة فلسطين ديمومة المقاومة المستمرة.. ووعد فلسطين

أحمد علي هلال

( مجلة فتح العدد – 708 )

لم تجف حبات السنابل… وها هي الوديان ملأى بآلاف السنابل، هي أسطورة الفينيق الفلسطيني الذي ما اعتاد إلا أن يكون في عين العاصفة، طائراً من نار وجناحاه الشمس أبداً، ليحلق فوق أرض الحياة، أرض البدايات والنهايات فلسطين.

ومن تحت الرماد قامت.. حقاً قامت متجذرة في الأرض وفي عروق التراب، وهي تجمع حجارة الأرض وتصفع بها محتلٍ وغازٍ لا مستقبل له عليها، ولتكنّس ظلاله وتطرده منها، هكذا قالت كل الانتفاضات التي عادت كثيفة الإيقاع انتصاراً للقدس وفلسطين، وتكاثفت شراراتها الأبية لتولم نارها أبداً وتفتتح الطريق إلى النصر، تلك الطريق التي عبدها آلاف الشهداء والشهود، ومضوا في طريقها ليرفعوا القدس فوق قلوبهم، ولتكون القدس هي أجسادهم بجدرانها ودروبها وروائحها وحجارتها، ولا يمكن فصل تلك الأعضاء عن بعضها لأنها نسيج واحد وكلمة سرها نشيد البلاد المضرج بالجسارة والبطولة وفقه المقاوم في اجتراحه يومياته،  في اجتراحه الحضور رغم أنف الغزاة وتغولهم، الوالغون في دمنا وفي لحم أرضنا.

في خطوط الدفاع الذكي، ظلوا يتقدمون بحجارتهم النبية وبشارات النصر وبالعلم الوطني خفاقاً، ولا يكترثون للعدو، يتقدمون في أرضهم وفي المشهد وعلى اتساع عين التاريخ يتممون إسرائهم ومعراجهم، تلك هي مدونة الروح حين تقاوم وأولئك هم المقاومون في الأرض، بما امتلكوا من أبجدية الغضب الساطع، هم من يقرعون أجراس العودة، وهم من يقرعون جدران الخزان، وهو السفر الفلسطيني المتجدد إلى الحياة، ففي البدء كان هم جيلاً فجيلاً وشهداء فشهداء، والأرض مازالت هي الأرض من كنست ظلال الغرباء.

وقال المقاوم: أُبعثُ الآن في هذا العراء لأحمل روح أجدادي… الآن أُتم الصلاة وتحمل الأرض جسدي المضرج بزيتون القدس وبرتقال يافا وعنب الخليل، وها هي الأرض أرثها وترثني لأرث ميلادي ولغتي، أنا الآن قنديل النهار، أضيء مُذّوباً استطالات العتم وأُعلنها بجهر هذه النهارات أني المبعوث من سحيق الرماد، وأني الشاهد على أن القدس هي فلسطين وأن من عبروا كل دروبها وتنسموا روائحها وتوضأوا بالدم، ظلوا هنا رايات خفاقة، ظلوا حروفاً للنشيد الوطني، والصدور متراس والأصابع على زناد الوقت ترسم الأفق وردة وردة.

قد قالها الشعر منذ أزل الحبر والدم والكلمات: (تقدموا/ تقدموا/ كل سماء فوقكم جهنم/ وكل أرض تحتكم جهنم/ تقدموا يموت منا الطفل والشيخ ولا يستسلموا/ وتسقط الأم على أبنائها القتلى/ ولا تستسلم… لن تكسروا أعماقنا/ لن تهزموا أشواقنا/ نحن القضاء المبرم).

وفي المشهد المفتوح كان إبراهيم أبو ثريا، يستعذب الموت كالأشجار وقوفاً، وكانت قدماه تنغرسان عميقاً في الأرض ليسير خفيفاً في دروبها، ويرجم أسطورة عاتية ويكسر بلورها ويقلب شاحنتها، كان جيلاً من المقاومين، جيل ظل واقفاً بكامل شموسه حارساً لمجده وراسماً خريطته الجديدة ومراياه الواضحة، جيل يتمم مأثرة الآباء والأجداد يستمر في العبور… لتجري المقاومة إلى مستقر لها، وتحدث القدس أخبارها: أنا إبراهيم أبو ثريا، وكوكبة من الشهداء الشهود أُعلن أنني وهبت عمري لتحيا البلاد أكثر، وأن دمي الصهيل للأغاني فخذوه بقوة، كما تضرجت به أرضنا، ونبتت تحت حجارته شقائق النعمان، هنا بلاغة روحي التي تُعيد شكلي ومقامي الجديد في كل من يتقدم خطوط الدفاع عن قدسنا، عن حلمنا، عن غدنا…

ليس حلماً إنها بلاغة الأرواح في الزمن الجديد المختلف، فقه الواقفين المتماهين بأعضائهم بلون الأرض وترابها، ومازال الشعر يولم لهذه الملحمة: (ها هو قد تقدم المخيم/ تقدم الجريح/ والذبيح/ والميتم/ والثاكل/ تقدمت حجارة المنازل/ تقدمت بكارة السنابل/ تقدم الرضّع والعجّز والأرامل/ تقدمت أبواب جنين ونابلس/ أتت نوافذ القدس/ صلاة الشمس/ والبخور والتوابل/ تقدمت تقاتل).

 

 

عن علي محمد

مدير التحرير