السبت , 16 ديسمبر 2017
مجلة فتح
الرئيسية 10 شؤون حركية 10 حديث الوطن..
حديث الوطن..

حديث الوطن..

بقلم: أبو فاخر / أمين السر المساعد لحركة فتح الانتفاضة

( مجلة فتح العدد – 707 )

(1)

الذكرى الـ (70) للقرار الجائر

قرار تقسيم فلسطين، الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة تحت رقم (181)

في 29/11/1949

* ذكرى مؤامرة تكشف عن حجم تواطؤ الدول الاستعمارية مع الحركة الصهيونية.

* ذكرى مشؤومة سوداء تكشف ليس فقط عن حجم الضعف الذي انتاب الحكام العرب آنذاك، بل عن حجم الهوان والذل والانكسار والتبعية.

* شعبنا الفلسطيني يحتاج إلى التضامن، إلى التضامن الفعال وليس المخادع، ودون تصحيح الخطيئة التاريخية التي أرتكبت بحق الشعب الفلسطيني، يظل كل حديث عن تضامن يفتقد الجدية والمصداقية.

حلت على شعبنا وأمتنا ذكرى قرار التقسيم الجائر والظالم، وغير الشرعي القاضي بتقسيم فلسطين، وما نتج عنه من تأسيس دولة (الكيان الصهيوني) على أرض فلسطين.

وفي الذكرى الـ 70 نستحضر حجم تواطؤ الدول الاستعمارية مع الحركة الصهيونية، ومدى الضعف الذي انتاب حكام أمتنا في ذلك الوقت، وحجم الذل والهوان والانكسار والتبعية التي كانت عليه.

ونستحضر في نفس الوقت صفحة نضالية، تظل خالدة في صفحات تاريخ نضال شعبنا وكفاحه المجيد، وقد عبر عن رفضه لهذا القرار (المؤامرة)، وعن مدى تمسكه بكامل وطنه دون أي انتقاص، وبكامل حقوقه دون أي مساومة، وهو موقف جرى التعبير عنه بالكلمة والموقف والتضحيات الكبيرة والدماء الغزيرة التي سالت على أرض فلسطين  في مواجهة الحركة الصهيونية والاحتلال البريطاني في آن.

ويعد قرار التقسيم هذا قرار غير شرعي بمنطوق القانون الدولي فأن تمنح عصبة الأمم لبريطانيا صك الانتداب لتتولى بموجبه إدارة فلسطين، لا يحرم الشعب الفلسطيني من حق السيادة، فلفلسطين وضع دولي مستقل، وللشعب الفلسطيني السيادة على أراضيه، ولفلسطين شخصيتها الخاصة المتميزة عن شخصية الدولة المنتدبة.

أحالت بريطانيا الملف للأمم المتحدة بدعوى عجزها عن حل الصراع، وأنها ليست مخولة بموجب صك الانتداب منح فلسطين لليهود، ولا للعرب، وغير مخولة بتقسيم فلسطين، وهي بهذا الموقف مارست أحط أشكال الخداع والتضليل، وتنصلت من مسؤوليتها المباشرة عن المؤامرة التي حلت بالشعب الفلسطيني، متناسية وعدها المشؤوم (وعد بلفور)، للحركة الصهيونية بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، ومتناسية دورها في فتح أبواب فلسطين للهجرة اليهودية، ومنح المهاجرين المستوطنين الأراضي لبناء المستعمرات، وتسليحهم وتدريبهم وتمويلهم والقتال معهم وإلى جانبهم، مستخدمة أسلحتها الجوية والبرية لقمع الثورات والانتفاضات والهبات، وإصدار الأحكام بالإعدام على الثوار الفلسطينيين، وملاحقة العديد منهم وزجهم في السجون والمعتقلات.

تلقفت الولايات المتحدة الأميركية الملف وأعدت مشروع قرار التقسيم وأحالته للجمعية العامة للأمم المتحدة دون الأخذ بعين الاعتبار أن إنهاء الانتداب البريطاني يعني بشكل رئيسي أن القيود المفروضة على ممارسة الشعب الفلسطيني لسيادته الكاملة قد زالت، وأنه أصبح بموجب هذا الحق، وحقه في تقرير المصير مؤهلاً لأن يحكم نفسه بنفسه، لم تحترم الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الحق ، ورغم أن صلاحياتها تقتصر على إصدار التوصيات، إلا أنها أجرت تصويتاً بإصدار قرار ملزم، متجاوزة أيضاً أنه ليس بوسع الأمم المتحدة أن تنشأ دولة جديدة أو تلغي دولة قائمة.

أما بشأن اعتبار هذا اليوم يوماً دولياً للتضامن مع الشعب الفلسطيني وقد أعلنته الأمم المتحدة في 2/12/1977، وبعد مرور 30 عام على صدور قرار التقسيم، فهو ليس إلا خداع وأفخاخ جديدة، فاختيار يوم 2/12، يأتي بعد مناسبة سوداء أخرى تصادف جريمة وعد بلفور في 2/11، الأمر الذي يطرح سؤالا ً كبيراً لماذا لم يجري اختيار يوم صدور وعد بلفور يوماً للتضامن، ولماذا لم يجري اختيار يوم 15/ أيار يوم الإعلان عن إقامة الكيان الصهيوني، يوماً للتضامن، مما يؤكد أن هذا الإعلان الخديعة لم يأتي كصحوة ضمير عند المجتمع الدولي والأمم المتحدة، ولا في سياق أعادة النظر بقرار جائر اتخذته بحق الشعب الفلسطيني، ولم يأت في سياق التضامن مع النضال العادل والمقاومة المشروعة للشعب الفلسطيني بهدف التخلص من الاستعمار الاستيطاني الذي يرزح تحت نيره وتسلطه.

ما قيمة هذا الإعلان المخادع إذا لم يحمل رسالة واضحة من المجتمع الدولي والأمم المتحدة لقادة الكيان الصهيوني أن يكفوا عن استباحة الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 67، والانسحاب الكامل دون قيد أو شرط، والتوقف عن مشاريع التهويد والاستيطان، وإطلاق سراح الأسرى والمعتقلين والألوف منهم موقوفون دون وجه حق بحكم قانون التوقيف الإداري الصهيوني.

شعبنا الفلسطيني يحتاج إلى التضامن الفعال وليس المخادع، يحتاج إلى تضامن أبناء أمته معه، وإلى دعم ومساندة نضاله العادل والمشروع، بل والمشاركة في صد الغزوة الصهيونية التي تجتاح فلسطين، يحتاج إلى تضامن شعوب العالم الإسلامي لدعم كفاحه المجيد، والتصدي للاختراقات الصهيونية ، ورفض كل أشكال الاعتراف والتطبيع معه، ويحتاج إلى تضامن قوى الحرية والتقدم والسلام في العالم، القوى المناهضة للحرب والغطرسة والعدوان والعنصرية، وممارسة أعلى الضغوط من أجل قطع العلاقة مع الصهاينة الغزاة وإعادة الاعتبار للقرار الصادر عن الجمعية العامة للأمم  المتحدة رقم 3379 القاضي بمساواة الصهيونية بالعنصرية والعمل على ملاحقة مجرمي الحرب الصهاينة.

وهذا كله يحتاج أولا وقبل كل شيء إلى إعادة بناء الوحدة الوطنية الفلسطينية، إلى اعتبار وثيقة الاعتراف بالكيان الغاصب لاغية وباطلة وكأنها لم تكن، إلى التوقف عن الالتزام باتفاق أوسلو وكل ما تربت عليه ، إلى إعادة الاعتبار للميثاق الوطني الفلسطيني، وإلى التوقف عن التنسيق الأمني مع أجهزة العدو الصهيوني.

وأخيراً لابد من القول أن هذه الذكرى الـ (70) تحل في وقت، تطل فيه مشاريع التقسيم والتجزئة على أيدي نفس المعسكر المعادي لأمتنا، يشاركهم الكيان الصهيوني وحكام عرب باعوا ضمائرهم، وخانوا شعوبهم وأمتهم، ووضعوا أنفسهم في خدمة أسيادهم المستعمرين، فلقد كان قرار تقسيم فلسطين بمثابة بروفة للتجزئة والتقسيم على أساس طائفي، والكيان الصهيوني الذي يطالب بالاعتراف به كدولة (يهودية)، يتكئ على هذا القرار.

لقد ناضل شعبنا وواصل كفاحه المجيد ولم يتوقف ولن يتوقف حتى تحرير وطنه، لم يوافق على قرار التقسيم، ورفضه رفضاً كاملاً، ويؤكد على أن كل الدعاوى التي صدرت في مراحل مختلفة تخطئ رفض قبول التقسيم على قاعدة نظرية اختلال موازين القوى، دعاوى استسلام وتفريط، ومن يتمسك الآن بنفس النظرية ويسير في دهاليز التسويات ويعترف بحق الكيان الصهيوني بالوجود، يقطع الصلة بتاريخ شعبه المناضل، ولا يعبر عنه، أو يمثله.

فهل جرى الاستفادة من الدرس القاسي والمؤلم، بإعادة النظر ببرامجهم ومشاريعهم الحالمة، وبالعودة إلى الشعب صاحب المصلحة الحقيقية في الثورة والنضال، لمواصلة النضال حتى تحقيق أهداف شعبنا في التحرير والعودة، أم أن الخيار كان ولا يزال خيار المفاوضات ولا شيء غيره.

 

 

 

 

 

 

(2)

أزمة الساحة الفلسطينية بين مسار المصالحة المتعثرة

 وغياب الوحدة الوطنية الفلسطينية

* حتى لا يختلط الحابل بالنابل، وبعيداً عن السجالات العقيمة، المصالحة بديلاً عن الوحدة الوطنية، ما هي إلا إدارة أزمات، وصراعات جانبية، ما أن تعالج مشكلة أو خلاف، حتى تبرز مشكلة أخرى وخلاف جديد.

* الوحدة الوطنية هي الحل الأمثل، على أرضيتها تتلاشى الخلافات، وتنتهي مظاهر الانقسام، وهي الضامن الحقيقي لحماية المقاومة وسلاحها.

لابد بداية التأكيد على جملة من المفاهيم المتعلقة بالوحدة الوطنية، القاعدة التي نؤمن بها، ونتمسك بها، وندعوا لها،ونظل نعلي الصوت ونحمل المسؤوليات لمن يتجاهلها أو يغيبها أو يتجاوزها، فالوحدة الوطنية قانون لا يجوز التلاعب به أو الخروج عنه أو تجاهله في مرحلة التحرر الوطني، وأي فصيل لا يضع موضوعة الوحدة الوطنية على رأس اهتماماته وفي صلب برنامجه السياسي، يفتقد للجدية والمصداقية، بل تفقد المبادئ التي يطرحها عند تأسيسه وتشكيله والأهداف التي وضعها نصب عينيه المصداقية.

الوحدة الوطنية ليست ترفاً فكرياً، وليس مزاودة كلامية، وليس حديثاً يدغدغ العواطف والمشاعر عبر وسائل الإعلام، إنها مسألة فكرية-سياسية-تنظيمية، مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالمشروع التحرري وأدواته الكفاحية.

ولأن الوحدة الوطنية على هذا القدر الكبير من الأهمية، لما تحمله من دلالات، فإن وضعها للبحث في آخر الملفات، وزرع الأوهام أن (المصالحة) هي السبيل لإنهاء مظاهر الانقسام والترويج لها، وإضفاء مشاعر البهجة والفرح والسرور و التصفيق وتصدر لشاشات التلفزة عند كل اجتماع، لا يحقق مصالحه، فلقد خضعت كل الاتفاقات السابقة للامتحان، والنتائج معروفة للجميع.

والدرس المستفاد من كل هذه التجارب أن اجتماعات المصالحة ما هي إلا  إدارة أزمات وصراعات، ما أن تعالج مشكلة أو خلاف أو اختلاف حتى تبرز مشكلة أخرى وخلاف جديد.

ولقد جاء الاجتماع الأخير للفصائل في القاهرة تتويجاً لاجتماعات ثنائية بين طرفي السلطة المتصارعين، حركتي فتح وحماس بمشاركة المخابرات المصرية، لتكشف عن الهشاشة والفوضى، ومن يتأمل في البيان الختامي يلمس أنه بيان لحفظ ماء الوجه ليس إلا، وهو نتاج يوم كامل من عدم الاتفاق حتى على جدول الأعمال.

ولا بد للقول هنا أن السلطة بما هي عليه من واقع مشهود وملموس، سلطة عاجزة عن حل مشكلاتها الذاتية، تفتقد القدرة على ترسيخ ذاتها في المجتمع الفلسطيني، وعاجزة عن التحكم بمسار الحركة الوطنية الفلسطينية، وهي أسيرة الدول المانحة، كما أنها أسيرة مشاريع وحلول والتزامات لا تستطيع الخروج منها، تتصرف بشراسة لتعوض عن حالة العجز هذه، وكل اهتمامها هو استلام قطاع غزة والتمكن من إدارته كاملاً فهي (الشرعية) كما تطرح نفسها، وهي الفريق الفلسطيني المعتمد، وصاحبة الشأن ولها الأمر، فلم تذهب للمصالحة على قاعدة الشراكة، بل ذهبت لاستعادة مُلكاً ضائعاً لم تستطع الحفاظ عليه في عام 2007.

انفض السامر في القاهرة على أمل العودة مجدداً للبحث في النقاط العالقة، ومن بعد ذلك البحث في موضوع الانتخابات الرئاسية والتشريعية ومنظمة التحرير في موعد أقصاه نهاية عام 2018، وحتى ذلك الحين يخلق الله مالا تعلمون.

لم ترفع العقوبات عن قطاع غزة حتى اليوم، وتوقفت لجنة المصالحة المجتمعية عن عملها نتيجة خلافات كبيرة، وفشلت لجنة الحريات حتى في تحديد مفهوم العمل السياسي، فالعمل السياسي الذي تعترف به سلطة رام الله هو الذي لا يتناقض مع اتفاق أوسلو، وغير ذلك جناية يعاقب عليها القانون.

ما أن أطلت اجتماعات المصالحة حتى برز على السطح وفي الخطاب السياسي موضوعة (السلاح)، وتبرع العديد من الملتزمين من اتفاق أوسلو وما يترتب عليه، للقول أنه لا سلاح إلا السلاح الشرعي، والشرعي بمفهومهم هو سلاح السلطة وليس سلاح المقاومة، وأن هناك سلطة واحدة ونظام واحد وقانون واحد وسلاح واحد، مما يدلل بوضوح أن هدف سلطة رام الله هو تجريد القطاع من سلاحه.

لمن يتوهم المصالحة ويروج لها بعيداً عن الوحدة الوطنية الفلسطينية، يصعب عليه حماية السلاح، ولا حتى حماية ثقافة المقاومة، ولا تعزيز بنية المقاومة.

الأمر ليس رغبة ذاتية، مسار المصالحة بديلاً عن الوحدة الوطنية بالشكل مصالحة وإنهاء مظاهر الانقسام، وبالمضمون تيهاً وضياع.

هذا ليس تشاؤماً، فالأمر لا يتعلق بالتشاؤم والتفاؤل، الأمر يتعلق بقوانين مرحلة التحرر الوطني، قوانين الصراع، وقانون مرحلة التحرر الوطني هو الوحدة الوطنية على قاعدة الميثاق الوطني، وفي جوهره وصلبه خط ونهج الكفاح المسلح ومواصلة المقاومة بكل أشكالها الشعبية والمسلحة.

على أرضية الوحدة الوطنية تتلاشى الخلافات وتنتهي مظاهر الانقسام وهي ترص صفوف الجماهير وتنظم طاقاتها وتعطيها الأمل وتزيدها قوة، وهي الضامن الحقيقي لحماية المقاومة وسلاحها.

عن علي محمد

مدير التحرير

اضف رد