السبت , 16 ديسمبر 2017
مجلة فتح
الرئيسية 10 ثقافة وفنون 10 ثلاثون عاماً على الانتفاضة الفلسطينية المباركة طلقة الوعي تعبر أزمنة المقاومة
ثلاثون عاماً على الانتفاضة الفلسطينية المباركة طلقة الوعي تعبر أزمنة المقاومة

ثلاثون عاماً على الانتفاضة الفلسطينية المباركة طلقة الوعي تعبر أزمنة المقاومة

أحمد علي هلال

( مجلة فتح العدد – 707)

هي بمسمياتها وبصفاتها وسماتها المتواترة، ثورة كانون أو الانتفاضة الشعبية المباركة لا حد لها وهي قد ابتدأت لتعلن فجراً جديداً، فجراً كفاحياً حمل النهارات الآتية وتوجها في صيرورة المقاومة، حدثاً فريداً ظل لازمة كل أفعال المقاومة، أن تدخل الانتفاضة كمفردة قواميس العالم وأبجديات لغته، هو أن يُعلن شعبنا الفلسطيني وجوده المتجذر على هذه الأرض التي استحقت الحياة، واستحق شعبنا ميلاده المتجدد العابر للأزمنة والأمكنة واللغة.

ثورة كانون ثورة الشعب الفلسطيني في وجه مشروع إحلالي استيطاني إجلائي كان لها أن تكون، فهي وجدت لتبقى رغم الاحتلال وليله الدامس الطويل، ومعها ظل الحجر كأيقونة أولى افتتاحية الكلام والعبور، إلى الأزمنة الأولى التي اندلعت فيها المقاومة في الأزمنة المتصلة المنفصلة، ولم يكن الحجر فحسب بل كان الإنسان حامله، ومولد شرارته التي أقضت ليل المحتل وفاجأته، وهناك على تلك الأرض التي لا تتسع للغزاة العابرين، بل هي أهلها بما امتلكوا من وعي حارس وبلاغة وجود ظلت ملهمة لسفر نضالي كُتبت حروفه/ الضوء، وكُتبت أهازيجه على لوح الأزل.

لم يكن الحجر وحده، بل فضاء مقاومة عمدت الدروب الطويلة إلى النصر وإلى الممكن الفلسطيني في الزمن الصعب، إلى زمن التوهج الأول وكيف يكتب أولى الكلمات في أبجدية المحارب، ليس المقام امتداحاً بل تأصيلاً للحظة جد فلسطينية، مازالت أصداؤها تتصادى في نسيج هبات وانتفاضات تالية تكثفت في نسيج ثورة عارمة، كانت قيامة الأرض، قيامة رجالها ونسائها وشيوخها، بل أجيالها الفلسطينية التي تدفقت أمواجها البرية على مرأى التاريخ-التاريخ الشاهد- الذي يعيد تأويل الحكاية الفلسطينية الأولى بكل ما وسعه من جدلية الحجر الرصاصة والنبوءة / الحلم.

وللفلسطيني في دورات صراعه من أجل كينونته ومن أجل تاريخه الذي عمده أجداده وآبائه أن يظل في المشهد حاضراً، إذ تأخذه إلى استحقاقات وجدوده فاعلاً على مسرح تاريخيه، وفي مساحات الضوء الكثيفة، تقف الكلمات شاهدة أفعال الحياة وبلاغتها الأولى في الحضور لنسغ أخضر ظل في عروق الأشجار خازناً للربيع وتفجر الفصول، كما النبع حينما ينبجس من أرض خصبة كانت الانتفاضة في ميقاتها وحدثها، شاهدة التحول على قيامة الروح الفلسطينية، قيامة متجددة ومستمرة وان تبدت لها من العناوين ما نشتهي.

كان طائر الفينيق يلتقط حجر الشمس ليولم به هذه الأرض البيوت والدروب والحواري والسواقي لتكتمل جدارية الأرض، كقصيدة لا حد لفصولها ودالّات ربيع حجارتها التي قامت حقاً قامت، ومن خلفها قام الفلسطيني ليكتب أسفاره العتيدة، ويبلّغ بها أزمنة جديدة سفر من النور والنار كيف تجلى للرواة وللرائين، كمدونة مازلنا نلتقطها ونعيد تأويلها كألف شمس مشرقة.

فكيف ننثرها إذن، وفي مقام الروح تتجدد اللغة، والشعر كان الأسرع باستجابته لكن الحدث أكبر وأكثر بلاغة لأنه أخذنا إلى المحلوم به أبداً، إلى ما يستطيعه الفلسطيني وما تستطيعه كينونته لينجز وجوده على هذه الأرض، وليعيد سيرتها بسفر تكوينه، وبإصحاح بلاغته، فلا حدَّ للشمس حينما تشرق من جديد، إشراقة في الذات وعلى الأرض.

لم نعد في زمن الأساطير، بل نحن من عاشها وصنعها وكتبها أبجدية أبدية، هكذا قال المقاوم لتبتدئ رحلة الحجر والبشر، رحلة المكان إلى المكان، ورحلة الذاكرة إلى الذاكرة، فلا ذكرى سوى في التجدد ورسم حدود الخريطة بالدم، فشهودها الآن قد كبروا على متسع حقل النار، وظلوا ينشدون بلادي بلادي، وظلت البلاد من مستصغر الشرر تولم لأبجدية النور امتياز النهار.

قالت الأرض: إني صورتكم الأخيرة، فاحملوني وعياً لأمشي في رؤاكم وتصبح البلاد حرة بما يكفي، وعلى دربها ظل الفلسطيني حاملاً صليبه أبداً على درب جلجلته الطويلة الطويلة.

 

عن علي محمد

مدير التحرير

اضف رد