السبت , 16 ديسمبر 2017
مجلة فتح
الرئيسية 10 شؤون فلسطينية 10 الضفة والقطاع 10 في فلسطين.. طفولة محروقة تبحث عن «حياة»
في فلسطين.. طفولة محروقة تبحث عن «حياة»

في فلسطين.. طفولة محروقة تبحث عن «حياة»

بين أزقة المخيم وعشوائياته المؤلمة، كانت فرقة من قوات «جفعاتي»، (زاد قوامها عن مائة جندي)، تشق طريقها في «حارة الجوابرة»، بمخيم العروب شمال مدينة الخليل، بعتادها المحصن وكاميراتها الإلكترونية المثبتة على الخوذ، تتوقف تارة وتتلقى الأوامر بالتحرك تارة أخرى، وهي على أهبة الاستعداد ببنادقها المزوده بأشعة الليزر..  يبدو أن ثمة قائد كبير من رجال المقاومة الفلسطينية جاءت هذه القوات لاعتقاله!!.

لكن سرعان ما انشقع ضباب هذه البهرجة الزائفة، توقفت القوة المهولة أمام بيت من (الزينكو)، على يمينه حائط من الحجارة آيلة للسقوط، وعلى شماله ألواح من المعدن الخفيف، أرهقها التلف والصدأ، وكأنها تشكل سورا حصينا لبيت مكون من غرفتين من اللبن (الطوب)، الذي عفى عليه الزمن منذ أيام النكبة الأولى، وقد خط شبان الانتفاضة بأصباغهم عبارة على ألواح الزينكو المعدنية.. (الانتفاضة مستمرة)، تحتضنها صورة لشاب ملثم.

توزع جنود «جفعاتي» على جوانب الأزقة في المخيم، وهم يصوبون بنادقهم بالاتجاهات كافة، قرع ضابط القوة على باب «الزينكو» عدة مرات ليخرج له، خليل الجوابرة (62 عاما)، وهو يصرخ على الجنود: شوي شوي (مهلا مهلا) خير إن شاء الله، شو في؟.. فرد الضابط المهلوع: وين ابنك محمد، الأب: «ول ول ول (تقال عند التأفف) شو بدكم من محمد.. هو محمد جنرال!! محمد نايم».

دفع الجنود الأب الجوابرة، واقتحموا المنزل، وتحديدا الغرفة التي ينام فيها سبعة من الأطفال من بينهم محمد، (كان قد استيقظ الأخير على جلبة الجنود)، صرخ الضابط في وجهه: شو اسمك، أجابه الطفل: أنا محمد وقبل أن يكمل اسم عائلته، انتزعه من بين إخوانه وأخواته، الذي افترشوا الأرض، وهم يغطون رؤوسهم، ويبكون تحت الأغطية!.

قال الضابط لمحمد: وين (أين) هويتك؟ ضحك الطفل باستهزاء! أنا عمري (12 عاما) ما معي هوية، قال له الضابط: «إلبس حذاءك أنت معتقل، لأنك مخرب وتضرب (ترمي) الحجارة على برج الجيش»، فرد الطفل بثقة: «اعتقال اعتقال مش مشكلة.. بس عندي اليوم امتحان رياضيات.. مشان الله أنا بترجاك تسمحلي أقدم الامتحان، بلاش أرسب!! وأنا بحضر على السجن لوحدي!!. (يتحدث محمد بكل براءة)، ضحك الضابط بسخرية وانتزع محمد بين ذراعيه وسار به الجنود خارج أزقة المخيم وهم يحملونه تحت أذرعهم، حتى وصلوا إلى المكان الذي تواجدت فيه السيارات العسكرية، وكبلوه وألقوا به داخل الجيب العسكري.

قصة «محمد” ليست من وحي الخيال، بل واقع يومي لحال الطفولة في فلسطين، فأطفالها لا يعرفون معنى الطفولة، فالهولوكست الصهيوني حرق كل أحلامهم وخيالاتهم، وبالرغم من ذلك، فإن أصدقاء الشهيدين، محمد الدرة، وفارس عودة، ما زالوا يتشبثون بالحياة.

قتل متعمد

لقد أمعنت قوات الاحتلال الصهيوني بقتل الأطفال الفلسطينيين، وبحسب تقرير للحركة العالمية للدفاع عن الأطفال في فلسطين، فإن قوات الاحتلال ومستوطنيها نفذوا منذ العام 2000م، وحتى منتصف العام 2017م،(2012)عملية قتل واغتيال بحق الطفولة في الضفة وغزة والقدس.

وأشار التقرير، إلى أنه منذ انطلاق «هبة القدس» الأخيرة، في شهر تشرين الأول 2015م، وحتى منتصف عام 2017م،  قتلت قوات الاحتلال نحو (63) طفلا في الضفة الغربية، واحتجزت جثامينهم ضمن سلسلة عقاب مبرمجة ضد أسرهم.

وأضاف التقرير أن قناصة قوات الاحتلال الصهيوني، يستهدفون قتل الأطفال مع سبق الإصرار والترصد، دون أن يتعرضوا للخطر منهم،  ومثال ذلك إطلاق النارعلى أربعة أطفال من مخيم الجلزون بالرصاص الحي في 23 من شهر آذار الماضي، ما أدى إلى استشهاد الطفل محمد خطاب، وإصابة ثلاثة من أقربائه بجروح خطيرة.

وتعتقل سلطات العدو  سنويا نحو 700 طفل في سجونها، في ظل ظروف غير إنسانية وتخالف المعايير الدولية، ويبلغ متوسط عدد الأطفال المعتقلين في سجون العدو، خلال العام الماضي (2016) حوالي 380 طفلا، دون سن الـ 18 عاما، حسب إحصائيات الحركة العالمي يتعرضون للضرب والرعب والتخويف والضغط النفسي، ومحاولات الإسقاط في حبال العمالة.

علاج نفسي

الدكتور سرحان البدوي، طبيب الصحة النفسية في مركز الأطفال للإرشاد الصحي والنفسي في رام الله، يشير إلى أن ما نسبته (64%) من الأطفال الذين أفرج عنهم من سجون الاحتلال، بحاجة إلى علاج نفسي وإرشادات مستمرة لإخراجهم من حالات العزلة والخوف والرعب التراكمية، والتي طالتهم خلال فترات احتجازهم في زنازين مظلمة عدة أسابيع.

ويكشف البدوي، «لدينا بعض الحالات من عدة مخيمات وبلدات فلسطينية، تترواح أعمارهم ما بين (14-17عاما) تعرضوا للاحتجاز الانفرادي والعيش في الظلام، وتم تعذيبهم، بالصراخ المستمر عليهم حتى منتصف الليل، في تحقيق الجلمة، وعسقلان، والمسكوبية، وبتاح تكفا، وما زالت الآثار النفسيه للاعتقال مخيمة عليهم».

 

عن علي محمد

مدير التحرير