السبت , 16 ديسمبر 2017
مجلة فتح
الرئيسية 10 مقالات 10 اجنبية 10 خبايا وأسرار الدور السعودي وأثره على القضية الفلسطينية والمقاومة
خبايا وأسرار الدور السعودي وأثره على القضية الفلسطينية والمقاومة

خبايا وأسرار الدور السعودي وأثره على القضية الفلسطينية والمقاومة

بقلم: ياسر المصري

مسؤول الإعلام والدراسات

( مجلة فتح العدد 706 )

تباكت العديد من الأنظمة العربية على القضية الفلسطينية وعلى الشعب الفلسطيني، وذاك منذ مدة طويلة ترافقت مع بدايات المشروع الصهيوني، ولكن ذاك البكاء لم يكن سوى تمثيل يخفي خلفه قناع من الرياء والكذب، ومن تلك الأنظمة كان النظام السعودي الذي دأب منذ عهد السعودية الثالثة إبان حكم عبد العزيز آل سعود على التآمر على القضية، وكلنا يذكر الوعد الذي قطعه الملك عبد العزيز للمندوب البريطاني السامي في مصر (كوكس) بقبوله قيام كيان صهيوني في فلسطين لليهود، وعدم معارضته لذلك الكيان، وما تلا ذلك من مواقف لإخماد الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936، والتخاذل في نكبة فلسطين عام 1948، وصولاً إلى مشروع الأمير فهد للسلام عام 1979، ومن ثم مبادرة السلام العربية في قمة بيروت عام 2002.

وهذا الدور مازال مستمراً إلى يومنا هذا، وخاصة لجهة قمع أي مقاومة ناهضة في أمتنا وداعمة للقضية الفلسطينية، وذاك ما جرى من مواقف سعودية مخزية إبان حرب تموز 2006، في لبنان والتهجم على المقاومة وحزب الله والتآمر عليها مع الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأميركية، إضافة إلى التآمر على سورية ومحاولة تدمير قدرتها وإمكانياتها بالتواطؤ والتنسيق مع أطراف عربية وإقليمية ودولية للنيل من سورية الداعمة للحقوق التاريخية الثابتة والمقاومة الفلسطينية، فقدمت كل الدعم اللوجستي والمالي والسياسي والإعلامي والعسكري للعصابات الإرهابية من أجل ثني سورية عن مواقفها الداعمة للمقاومة، ومازالت تقوم بذات الدور خدمة لمشاريع أميركية هدفها تفتيت قدرات أمتنا، وحرف بوصلة الصراع مع الكيان الصهيوني إلى صراعات جانبية وهامشية على حساب الصراع الأساسي الذي يخدم القضية الفلسطينية ومقاومتها.

وإذا ما عدنا بالتاريخ القريب إلى بعض الشواهد التاريخية التي مازالت ماثلة في أذهاننا حول المقاومة الفلسطينية والدور السعودي فحصار بيروت عام 1982، الذي استمر ثلاثة أشهر تقريباً، لم يكن الموقف السعودي سوى الشاهد بل والمتواطئ في أحيان أخرى، كما نذكر موقف السعودية في انتفاضة الحجارة عام 1987، وانتفاضة الأقصى عام 2000، وما بينهما من انتفاضات سوى الصمت على المذابح التي يتعرض لها شعبنا الفلسطيني ودمائه التي كانت تسيل بشكل يومي، وبالأمس القريب كانت هبة القدس دفاعاً عن المقدسات الإسلامية التي تدعي السعودية بأنها ترعاها وتحافظ عليها، فلم نر منها سوى الأكاذيب السياسية والفبركات الإعلامية.

وبعد تلك المقدمة نصل إلى اللحظة السياسية الراهنة والدور الذي تقوم به السعودية تجاه القضية الفلسطينية في هذه الآونة، وتحديداً بعد وصول الرئيس الأميركي ترامب لسدة السلطة في الولايات المتحدة الأميركية، والذي سبق ذلك عدة لقاءات علنية وسرية جرت ما بين المملكة السعودية والاحتلال الصهيوني قام بها الأمير السعودي تركي الفيصل «رئيس الاستخبارات الأسبق» واللواء أنور عشقي مع دوري غولد ضابط الاستخبارات الصهيوني، والزيارات التطبيعية لوفود صهيونية للرياض، ومن جهة أخرى معلومات سرية تحدثت عن زيارات رسمية لوفود سياسية سعودية على مستويات عالية للكيان الصهيوني.

وفي الأشهر القليلة الماضية نشط الدور السعودي على الصعيد الإقليمي بإيعاز أميركي وخاصة بعد القمم الثلاث التي عقدت في الرياض (القمة السعودية الأميركية، والقمة الخليجية الأميركية، والقمة الأميركية الإسلامية) التي حاولت السعودية من خلالهما ترسيم نفسها كمركز إقليمي له دور مميز على صعيد المنطقة بدعم أميركي وصهيوني غير محدود، ومن الطبيعي أن تكون القضية الفلسطينية في جوهر ذلك الدور، لذلك تعمل جاهدة على تثبيت حضورها في هذا الإطار، لكنها ترى في محور المقاومة (إيران، سورية، حزب الله، الفصائل الوطنية الفلسطينية) عقبة كأداء في طريقها، وهذا ما دفعها لأن تتساوق مع المشروع الأميركي والصهيوني بشكل كامل (والتي هي أساساً خاضعة له) ضمن ما يسمى بصفقة القرن التي ينظّر لها الرئيس الأميركي «ترامب».

ويبد أن الزيارات المتكررة للمبعوث الرئاسي الأميركي (جيسون غرينبلات والمستشار الرئاسي جاريد كوشنير)  إلى السعودية قد وصلت إلى خواتيمها ببلورة صفقة القرن، الذي قال عنها غرينبلات لصحيفة نيويورك تايمز: «لقد قضينا الكثير من الوقت للاستماع إلى الإسرائيليين والفلسطينيين والقادة الإقليميين خلال الأشهر القلية الماضية، اشتركنا معهم للمساعدة في التوصل إلى اتفاق سلام دائم لتحسين العلاقات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ولضمان نشر الأمن في جميع أنحاء المنطقة»، وفي هذا الإطار كانت زيارة محمود عباس المفاجئة إلى السعودية في الأيام القليلة الماضية، والتي لها أهداف أساسية يمكن تلخيصها على الشكل التالي:-

– التسويق لصفقة القرن من خلال حل نهائي للصراع العربي الصهيوني والتي عبر عنها في بنود وثيقة الجبير.

– المصالحة الفلسطينية يجب أن تقوم على ابتعاد حماس عن طهران ومقابل ذلك سيكون هناك دعم سخي لقطاع غزة.

– في إطار الفرز الإقليمي للمحاور في المنطقة، يجب أن يكون الفلسطينيين في محور السعودية ضد إيران وحزب الله.

كما وأنه كان لافتاً ما علقت عليه صحيفة «هآرتس» التي تحدثت في عددها الصادر في 13/11/2017، بأن الرياض ضغطت على عباس بإخضاع كل الأسلحة في قطاع غزة والضفة الغربية للسلطة الفلسطينية، وكذلك نشر موقع «124 نيوز» العبري: «إن واشنطن تريد من السعودية المساهمة بالضغط على الجانب الفلسطيني لقبول الصفقة الأميركية»، كما أن هناك دراسة صادرة عن «مركز الأبحاث الأمني القومي الإسرائيلي»: تقترح أن تتم مقايضة مشاريع إعادة الإعمار في القطاع التي ترى أن تتولى الدول الخليجية تمويلها بموافقة حماس على التخلي عن قوتها العسكرية.

وبكل الأحوال فإن الرؤية السعودية التي كانت تقوم سابقاً على مبادرة السلام العربية انطلاقاً من فهم معين للسلام القائم عل الانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران وحل متفق عليه في موضوع اللاجئين الفلسطينيين مقابل سلام دائم وشامل، أما اليوم في صفقة القرن فتقوم الرؤية السعودية على أن يعلن الكيان الصهيوني الانسحاب، ومن ثم يأتي التطبيع معه، وهذا يعني أن يبدأ التطبيع قبل الانسحاب، وبذلك تكون كل المحرمات التي تستر خلفها النظام السعودي قد سقطت، والأكثر من ذلك المطلوب في إطار تلك الصفقة أن تلعب الأنظمة الخليجية تحديداً دوراً ضاغطاً على الجانب الفلسطيني بقبول الصفقة كما هي، وكما يرغب الكيان الصهيوني، وبعد أن كان النظام الرسمي العربي يرى سابقاً بضرورة الحل مع الفلسطينيين أولاً، أصبح الأمر مقلوباً بحيث أصبح ذلك النظام السعودي والكيان الصهيوني في سلة واحدة لحصار شعبنا الفلسطيني والضغط عليه بقبول الاملاءات والشروط الأميركية والصهيونية.

وذاك ليس بالغريب على شعبنا الذي خبر الرجعية العربية منذ زمن بعيد وعرف ألاعيبها وتواطؤها، ولكن المشكلة في من مازالوا يراهنون على حكام الخليج وعلى من وقعوا اتفاقيات الذل والعار منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى يومنا هذا، فعلى من لديه تلك الأوهام أن يستيقظ من غفوته، فإذا كان لا يعرف معنى تلك الصفقات وخطورتها فإن شعبنا الفلسطيني خبرها ويعرفها جيداً لذلك عارض وأسقط العديد منها «فمن لم يدري بذلك فتلك مصيبة وإن كان لا يدري فتلك أعظم».

 

عن علي محمد

مدير التحرير