السبت , 16 ديسمبر 2017
مجلة فتح
الرئيسية 10 شؤون فلسطينية 10 هجمة النقب.. «عرب أقل»!
هجمة النقب.. «عرب أقل»!

هجمة النقب.. «عرب أقل»!

د. أسعد عبد الرحمن

القدس، وباقي الضفة الغربية، والجليل، والنقب.. كلها مناطق تواجه واقعاً سياسياً واحداً مضمونه الصراع على الأرض، الصراع على الوجود في وجه حركة استيطانية إحلاليه تسعى حثيثاً لاقتلاع الفلسطيني من أرضه وإحلال غريب فيها. والإعلام العربي والفلسطيني قلَّما يسلط الضوء على «منطقة النقب»، رغم أهميتها في المنظور الاستراتيجي الصهيوني، والتي تبلغ مساحتها نحو 13 مليون دونم (أكثر بقليل من نصف مساحة فلسطين التاريخية). ففي ظل «حكومة اليمين الإسرائيلي المتطرف»، يواجه

النقب اليوم أخطر مخطط ترانسفيري كولونيالي اقتلاعي يستهدف تهجير الأهالي، عبر إحداث تغييرات

جغرافية وديموغرافية تمنع التواصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، ذلك أن بقاء عرب النقب على أراضيهم

يساهم في التواصل الجغرافي مع غزة، ما يهدد الصبغة اليهودية «النقية» المنشودة للدولة الصهيونية. وقد ظهر ذلك في تصريحات رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو حين قال: «تزايد العرب البدو في النقب يشكل خطراً ديموغرافياً»، وذلك بعد أن سجل تزايد المجتمع العربي في النقب نسبة 5 في المئة سنوياً.

ويخوض‏ عرب النقب، الذين يسكنون في القرى العربية مسلوبة الاعتراف (45 قرية تخطط إسرائيل لهدمها)، حرباً شرسة مع سلطات الاحتلال، حمايةً لأراضيهم ودفاعاً عنها، حيث يقوم الكيان بزرع التجمعات الاستيطانية وإقامة المزارع الخاصة والحكومية الممتدة على مساحات شاسعة من الأراضي المحاصرة بالتجمعات السكانية البدوية، فضلاً عن إغلاق مساحات واسعة من الأراضي بغرض التدريبات والمناورات العسكرية. والدولة الصهيونية، التي تدعي أن بدو النقب «مواطنون إسرائيليون متساوو الحقوق»، تسعى لتقليص وجود القبائل البدوية من أجل مزيد من التهويد. فقريتا «أم الحيران» و«عتير» مهددتان بالهدم والترحيل لبناء مستوطنة «حيران»، فيما هدمت قرية «العراقيب» للمرة الـ119 على التوالي.

وفي ذات السياق، تم الكشف مؤخراً، عن قيام سلطات الاحتلال بسحب المواطنة من آلاف العرب في النقب خلال السنوات الماضية بذرائع مختلفة. ويستدل من صحافة العدو أن قسماً كبيراً من مسلوبي الجنسية كان يحمل الجنسية لعقود، حتى أنهم شاركوا في التصويت خلال انتخابات الكنيست (البرلمان الإسرائيلي)، لكن فجأة وجدوا أنفسهم من دون جنسية، حيث تزعم وزارة الداخلية أن هذه المواطنة مُنحت بالخطأ، وذلك دون تقديم أي تبريرات أو تفاصيل! وبحسب «المركز للدفاع عن الحقوق القانونية –عدالة»، فإن هذه السياسة تمارس منذ عام 2010. وبين مركز «عدالة» أن قسماً من البدو «كانوا يحملون الجنسية (الإسرائيلية) لعشرين وثلاثين وأربعين عاماً، وقد صوتوا في الانتخابات وسددوا الضرائب، وبعضهم خدم في جيش العدو، وفجأة سُلبت منهم الجنسية ولم يعودوا يحملون الجنسية». وبعد سحب الجنسية يتحول الشخص إلى «مقيم دائم»، أي أن وضعهم يصبح شبيهاً بوضع فلسطينيي القدس المحتلة، وعليه إذا لم يوجدوا في البلاد لفترة طويلة، فإنه قد تُسحب منهم مكانتهم كمقيمين دائمين أيضاً. وفي هذا يقول الصحفي الفلسطيني «الإسرائيلي» (جاكي خوري) في مقال نشرته صحيفة «هآرتس»: «الأمر يتعلق بظاهرة واسعة في الوسط البدوي بالنقب. مئات الآلاف منهم يخسرون جنسيتهم بسبب خطأ في

التسجيل! هذا هو التبرير السائد الذي أعطي لهم جميعاً من دون تفصيل ومن دون تبرير».

وفي المقابل، ومنذ ثلاث سنوات، تنقل صحافة العدو قلق الأجهزة الأمنية من الانخفاض الحاد في نسبة التجنيد للشباب العرب في النقب بعد انكشاف أكاذيب

ربطت التجنيد  بتحسين ظروف المعيشة ، والسماح لعرب النقب بالبناء والسكن

في أرضهم وربطهم بالخدمات الأساسية، كمواطنين «إسرائيليين»، فيما ازداد حجم الملاحقة السياسية والمدنية للمواطنين العرب بشكل كبير وسجلت جرائم قتل وتنكيل بهم في النقب من قبل رجال شرطة العدو في السنوات الأخيرة. ورداً على الانخفاض الحاد آنف الذكر، دخلت مشاريع مشبوهة منذ نحو عامين، لا تعمل على التجنيد المباشر وإنما على تشكيل الهوية وتمهيد الطريق للشباب البدو للانضمام للمؤسسات العسكرية والأمنية ومحاولة تقليص الفجوة بين المجتمع العربي والمؤسسة العسكرية «الإسرائيلية». وتهدف هذه المشاريع التي تختبئ

وراء مصطلحات بناء الشخصية والمستقبل الأكاديمي، إلى دمج الشباب في مؤسسات «إسرائيلية» كوزارتي «الدفاع» (الجيش)، والزراعة في إطار ما يسمى «الخدمة المدنية» التي هي شكل من أشكال التجنيد.

ما يواجهه النقب، هو استمرار لسياسة الفصل العنصري ومحاصرة الوجود العربي، بدءاً من نهب الأرض وهدم البيت، مروراً بسياسة الإفقار والملاحقة وتشويه الهوية، وانتهاءً بتحديد النسل، وهذا كله يضاف لممارسات فاشية وقوانين عنصرية تكرس يهودية الدولة وهيمنة اليمين المتطرف وتخليد الاحتلال وتشرعن الاستيطان. إذن هي سياسة تطهير عرقي. الهجمة‏ في النقب، كما في الجليل والقدس والضفة الغربية، الهدف منها واحد وفق ذات الآلية «الإسرائيلية» القديمة الجديدة: «أرض (يهودية) أكثر» و«عرب أقل»!!

 

عن علي محمد

مدير التحرير