الإثنين , 22 أكتوبر 2018
مجلة فتح
الرئيسية 10 شؤون حركية 10 بيانات 10 حديث الوطن: مئوية وعد بلفور.. جريمة مستمرة.. وبلفوريون جدد… ومقاومة دائمة حتى التحرير والعودة
حديث الوطن: مئوية وعد بلفور.. جريمة مستمرة.. وبلفوريون جدد… ومقاومة دائمة حتى التحرير والعودة

حديث الوطن: مئوية وعد بلفور.. جريمة مستمرة.. وبلفوريون جدد… ومقاومة دائمة حتى التحرير والعودة

بقلم: ياسر المصري

           عضو اللجنة المركزية لحركة فتح الانتفاضة

( مجلة فتح العدد – 705 )

المادة (29) من الميثاق الوطني الفلسطيني: الشعب العربي الفلسطيني هو صاحب الحق الأول والأصيل في تحرير واسترداد وطنه ويحدد موقفه من كافة الدول والقوى على أساس مواقفها من قضيته، ومدى دعمها له من ثورته لتحقيق أهدافه.

المادة (8) من النظام الداخلي لحركة فتح: الوجود الاستيطاني في فلسطين هو غزو صهيوني عدواني، وقاعدة استعمارية توسعية، وحليف طبيعي للاستعمار والإمبريالية العالمية والرجعية.

في مئوية وعد بلفور المشؤوم، والتي تصادف في هذه الأيام ذكرى مرور مئة عام على ذلك الوعد البريطاني، الذي أعطى من لا يملك حقاً لمن لا يستحق، بحجة وعد إلهي كاذب في أرض الميعاد، ولكن بأهداف وخلفيات سياسية استعمارية تقوم على تمزيق وتجزئة الوطن العربي استكمالاً لاتفاقية سايكس بيكو، من أجل منع قيام أي وحدة عربية بين مشرق الوطن العربي ومغربه، لتسهيل عملية السيطرة ونهب ثروات الوطن العربي، وكلنا يذكر الخوف الذي انتاب الدول الاستعمارية عندما حاول محمد علي باشا الوصول إلى حدود الأستانة من أجل قيام وحدة عربية، وبمعنى آخر فإن الموقع الاستراتيجي الذي تتميز به فلسطين جغرافياً كصلة وصل بين آسيا وإفريقيا كان من أهم الأسباب الاستعمارية لزرع جسم غريب في فلسطين للمحافظة على تلك المصالح، إضافة إلى التخلص من العبء اليهودي الذي تذمرَّت منه العديد من الدول الأوروبية.

وانطلاقاً من ذلك فإن وعد (أرثر بلفور) ليس من أجل إيجاد حل للمسألة اليهودية وحسب، بل إن ذلك جاء لتحقيق مصالح استعمارية بريطانية في الأرض العربية، يتوافق مع الطموح الذي كانت تخطط له الحركة الصهيونية والذي تبلور كمشروع أساسي في مؤتمر (بازل 1897) والذي تم من خلاله بدء مشروع إنشاء وطن قومي لليهود، دون تحديد المكان النهائي، والذي حُدد لاحقاً في عدة اقتراحات منها أوغندا والأرجنتين وفلسطين وغيرها، إلى أن تم الاتفاق النهائي بأن تكون فلسطين هي الأرض الموعودة وفق أساطير تلمودية مختلقة وكاذبة، على حساب شعب سكن الأرض الفلسطينية منذ آلاف الأعوام، وأقام بها حضارة، لها شواهدها وأوابدها التي مازالت موجودة إلى يومنا هذا، بعكس المزاعم والأباطيل الصهيونية الذين حاولوا بكل إمكانياتهم من إيجاد أي أثر أو لقية تشير إلى وجودهم في فلسطين، وحتى ما يسمى هيكل سليمان المزعوم الذي لا وجود له ولا أثر حتى يومنا هذا، وذلك موجود في كتب صهيونية مثل (اختلاق الأساطير الصهيونية) التي كُتبت من قبل الصهاينة أنفسهم.

وفي هذا السياق لابد من الإشارة إلى ما كتبه المفكر الراحل عبد الوهاب المسيري الذي كرّس فكره لدحض المزاعم الصهيونية بشكل موضوعي وفق منهج علمي وتاريخي دقيق استطاع من خلاله فضح زيف الصهيونية، من خلال موسوعته (اليهود واليهودية والصهيونية)، لأنها تناولت كل الجوانب المتعلقة بتاريخ الصهيونية وعلاقتها باليهودية، والذي يؤكد من خلالها، بأن الصهيونية في جوهرها هي حركة لتخليص أوروبا من الفائض البشري اليهودي عن طريق نقله من أوروبا وتوطينه في منطقة أخرى، بغض النظر عن اللباس الديني لتلك الحركة، والتي حاولت أن تسبغه عليها، وخاصة أن فلسطين في عام 1917 وحين صدور وعد بلفور لم يكن يقطنها سوى خمسون ألف يهودي بينما كان الفلسطينيون عددهم 650 ألف نسمة، واليوم فإن الحركة الصهيونية لم تستطع جلب كل اليهود في العالم إلى فلسطين، والذي يقدر عددهم بأكثر من خمسة عشر مليوناً، بينما الموجود في فلسطين هم ستة ملايين فقط، وذلك يعني بأن قسماً من اليهود غير مقتنع بالأساطير الصهيونية إلى الآن.

وبعد ذلك فإن الحديث عن وعد بلفور وبعد مرور مئة عام عليه، ليس من أجل إشاعة جو بكائي على فلسطين، وليس في إطار رثاء وطن، أو الطلب من بريطانيا الاعتذار للشعب الفلسطيني، بل أعتقد أن ذلك فيه اختزال كبير لحجم المأساة والجريمة التي ارتكبتها بريطانيا بحق شعبنا الفلسطيني، والمطلوب في هذا الإطار استخلاص العبر والدروس ووضعها نصب العين من أجل استرداد حقنا المغتصب، ولكن ذلك يجب أن يكون من خلال نظرة موضوعية وعلمية لطبيعة الصراع مع المشروع الصهيوني، دون إسقاط رغبات أو أحلام طوباوية أسقطها البعض على منهجه وأصبح يراها حقيقة، وهذا يتطلب الوقوف عند حقائق أساسية:-

* الكيان الصهيوني (الطبيعة والدور والوظيفة)

إن الكيان الصهيوني نشأ بقرار استعماري تحقيقاً للمصالح الاستعمارية ووفق ذلك كان وعد بلفور، الذي أراد أن يكون استطالة وامتداد له في الوطن العربي وفي القلب منه تحديداً، لذلك كانت فلسطين الهدف المنشود صهيونياً واستعمارياً، والذي بدأ من خلال مستعمرات صغيرة في الخضيرة وغيرها وتوسعت إلى ما وصلت إليه اليوم، أي أن الحركة الصهيونية هي حركة استعمارية (توسعية، عنصرية، استيطانية، إحلالية، إجلائية) على حساب شعب آمن له حقوق تاريخية في تلك الأرض.

وإذا كانت الحركة الصهيونية في السابق تعتمد على بريطانيا العظمى لأنها كانت الدولة الأقوى في العالم، في ذلك الوقت، ولكن بعد أفول نجمها وتراجع قوتها ودورها استدارت الحركة الصهيونية نحو أميركا «الدولة الإمبريالية الجديدة»، والقوة الاقتصادية والعسكرية صاحبة الهيمنة بعد الحرب العالمية الثانية، فرأت أميركا بالكيان الصهيوني الثكنة العسكرية المتقدمة القادرة على تحقيق مصالحها الإستراتيجية، والتي تعتبرها الولاية الحادية والخمسون من الولايات المتحدة الأميركية.

* طبيعة الدور البريطاني والأميركي تجاه الكيان الصهيوني

إن طبيعة العلاقة التي ربطت المشروع الصهيوني مع بريطانيا الاستعمارية، قامت على أن الكيان الصهيوني هو ثابت إستراتيجي في السياسة البريطانية، فكان له الدعم المطلق عسكرياً واقتصادياً وعلمياً وغيره، والذي استمر بأشكال مختلفة إلى أن كان نهاية الانتداب البريطاني وتسليم فلسطين للصهاينة، بعد أن سلحت ودربت عصابات الهاجاناه وشتيرن والأراغون، وسلمت المناصب الحكومية للحركة الصهيونية، وسهلت هجرة اليهود من خلال الوكالة اليهودية، وصادرت معظم الأرض الفلسطينية قبيل عام 1948.

واستكمل الدور لاحقاً من قبل الولايات المتحدة الأميركية التي اعتبرتها القاعدة المتقدمة لها في الوطن العربي، والتي دعمتها سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وإعلامياً، حيث شملتها بالرعاية الكاملة إستراتيجياً، وأصبحت أداتها العدوانية على الوطن العربي، والتي دعمتها في التوسع الاستيطاني وكافة الحروب التي شنتها على شعبنا الفلسطيني والعربي.

موقف النظام الرسمي العربي وعلاقته بالصراع مع المشروع الصهيوني

مع أن المشروع الصهيوني استهدف فلسطين التي تعتبر جزءاً من الوطن العربي، إلا أن النظام العربي في ذلك الحين كان موقف بعضه متواطئاً مع الحكومة البريطانية، وخاصة ما تسرب من وثائق أهمها الرسالة التي أرسلها الملك السعودي عبد العزيز آل سعود للسير (برسي كوكس) مندوب بريطانيا العظمى في مصر، والتي أشارت بوضوح لقبول السعودية بإنشاء كيان صهيوني وعدم معارضة السعودية لأي رغبة بريطانية، ويمكن في هذا الإطار الإشارة إلى تواطؤ الملك فاروق في مصر مع الحركة الصهيونية عبر صفقة السلاح الفاسد وأنظمة أخرى كانت تدور بفلك بريطانيا كان لها دوراً سلبياً اتجاه الشعب الفلسطيني.

وإذا ما ربطنا الماضي بالحاضر فإن الدور الرجعي العربي لم يتغير في الراهن السياسي، فكلنا يذكر العلاقات السرية بين العديد من الدول العربية مع الكيان الصهيوني، ولاحقاً الاتفاقات التي وقعت بشكل علني (مصر، الأردن، السلطة الفلسطينية)، وصولاً إلى ما يسمى «مبادرة السلام العربية» التي تنازلت عن الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني في الأرض الفلسطينية إضافة للتنازل عن حق العودة مقابل السلام مع الكيان الصهيوني.

* أوهام المراهنة على أميركا كوسيط في حل القضية الفلسطينية

كما كان وعد بلفور بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، والتي عملت بريطانيا على تحقيقه وانخدع بعض العرب بالأكاذيب البريطانية وانساقوا خلفها، فإن التاريخ يعيد نفسه من خلال معظم النظام الرسمي العربي الذي يراهن على الولايات المتحدة الأميركية بأنه وسيطاً نزيهاً يمكن أن يقدم شيئاً للجانب العربي، دون النظر إلى طبيعة العلاقة التي تربطها بالكيان الصهيوني، وفي هذا تعامي عن الحقيقة الساطعة التي نعلمها جميعاً، ولكن البعض في ذلك النظام الرسمي يرى مصالحه الفئوية الضيقة في الحفاظ على العرش قبل أي مصلحة وطنية أو قومية.

فكلنا يرى الدور الأميركي الداعم بشكل مطلق للكيان الصهيوني، من خلال الوعود والحلول التي يطرحها، فإذا أخذنا مثلاً وعد بوش عام 2004، والذي كان من خلال رسالة الضمانات التي قدمها الرئيس جورج بوش «الابن» إلى شارون، التي كانت تؤكد على التأييد الأميركي للمستوطنات في الضفة الغربية، وشطب حق العودة، والتسوية فقط هي في إطار حدود الرابع من حزيران، كذلك وعد أوباما في عام 2010، التي أرسلها لبنيامين نتنياهو والتي وافق من خلالها على إقامة دولة يهودية مقابل تجميد الاستيطان ستين يوماً فقط، ومؤخراً صفقة القرن التي طرحها «ترامب» على أن تكون من خلال حل إقليمي تشارك به بعض الدول العربية إلى جانب الفلسطينيين والصهاينة وأميركا لتصفية القضية الفلسطينية بشكل نهائي.

* المشروع الصهيوني وكيفية مواجهته نهجاً وأسلوباً

إن الاتفاق على طبيعة المشروع الصهيوني مسألة في غاية الأهمية، لأن ذلك يحدد كيفية المواجهة، والأسلوب الواجب إتباعه من أجل التخلص منه، لأن المقولة النظرية تقول بأن «المقدمات الصحيحة تؤدي إلى نتائج صحيحة، والمقدمات الخاطئة تؤدي إلى نتائج خاطئة»، فإذا ما اتفقنا على أن الكيان الصهيوني هو كيان مصطنع ذو طبيعة توسعية عدوانية إحلالية، ذلك يعني بالضرورة أن مواجهته لا يمكن أن تكون إلا من خلال الصراع الوجودي وليس الحدودي، والذي يقوم على قاعدة الحق التاريخي للشعب العربي الفلسطيني في أرضه.

وهذا يتطلب وعياً قومياً عربياً بأن فلسطين أرض عربية وهي جزء من الوطن العربي، والقضية الفلسطينية هي القضية المركزية للأمة العربية، وأن الشعب العربي الفلسطيني هو خط الدفاع الأول عن الأمة العربية لأن المشروع الصهيوني لا يستهدف فقط فلسطين بل يستهدف الأمة العربية جمعاء، وعلى الأمتين العربية والإسلامية شحذ قواها من أجل تحرير الأرض والمقدسات الإسلامية، وليس المراهنة على حلول أو أنصاف حلول أميركية أو غيرها، وذلك لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال انتهاج الكفاح المسلح والمقاومة كأسلوب حتمي ووحيد للقضاء على المشروع الصهيوني وتحرير الأرض الفلسطينية.

* المقاومة هي الطريق الوحيد لتحرير فلسطين

لقد أثبتت التجارب بأن اللغة الوحيدة التي يفهما ويخشاها الكيان الصهيوني، هي لغة القوة، ولنا في حرب تشرين التحريرية في القرن الماضي خير دليل على ذلك، وفي القرن الحالي فإن تجربة المقاومة التي خاضها حزب الله في لبنان أنموذجاً مهماً لكل المناضلين، لأنه استطاع تحرير الجنوب اللبناني دون الإذعان لأي شروط صهيونية، كذلك الصمود الأسطوري في حرب تموز كان درساً مهماً للكيان الصهيوني مازال يتعلم منه إلى هذا اليوم  (لجنة فينوغراد).

كما أن الصمود العظيم لشعبنا الفلسطيني في قطاع غزة، عبر الحروب الثلاثة التي شنها جيش الاحتلال الصهيوني في أعوام 2008، 2012، 2014، كانت تعبيراً واضحاً على أن المقاومة ممكن أن تحقق لشعبنا الكرامة والحياة الحرة، وليس اتفاقيات الذل والعار التي لم تجلب سوى التنازل والمساومات على حقوقنا التاريخية، واستبدال المندوب السامي الإنكليزي بالمندوب الأميركي «الجنرال دايتون».

إن المشروع الصهيوني الذي أكمل مئويته في هذا العام، ليس قدراً على شعبنا الفلسطيني والعربي، ولن يكون كذلك، لأنه طارئاً كما هو حال الغزوات السابقة لبلادنا، كما أن شعبنا الفلسطيني لديه الإرادة والعزيمة التي لن تلين يوماً من أجل استعادة حقوقه، بغض النظر عن كل الاتفاقيات والمساومات، ولنا في الانتفاضات الفلسطينية المستمرة والمتعاقبة أروع الصور النضالية والتي آخرها كان انتفاضة القدس التي كسرت عنجهية الكيان الصهيوني، وأجبرته على الرضوخ لإرادة الشعب الفلسطيني في رفض البوابات الإلكترونية والكاميرات الذكية، كما أن الفلسطينيون لا يراهنون على أميركا أو على النظام العربي المتواطئ، بل المراهنة على محور المقاومة في (إيران وسورية وحزب الله والفصائل الوطنية الفلسطينية) التي ترفع شعار المقاومة وتمارسه في كل يوم وفي أماكن مختلفة برغم حجم المؤامرات الكبيرة إقليمياً ودولياً، إلا أن المحور يحقق الانتصارات المتتالية والتي سيكون لها أثراً كبيراً على طريق تحرير فلسطين في الأيام القادمة.

عن علي محمد

مدير التحرير