الإثنين , 20 أغسطس 2018
مجلة فتح
الرئيسية 10 شؤون فلسطينية 10 الشتات 10 (حديث المخيم) .. مخيم دنون .. منارة العودة
(حديث المخيم) .. مخيم دنون .. منارة العودة

(حديث المخيم) .. مخيم دنون .. منارة العودة

( مجلة فتح – العدد 702)

زكريا السيد أحمد

كان المخيم الفلسطيني ولا يزال الأيقونة اللامعة لحق العودة والحالة الرمزية الأهم لأحلام وتطلعات آلاف اللاجئين لرجوعهم إلى مهدهم الأول ، والحضن الأكثر دفئا لتشبثهم بوطنهم وإن نأت بهم المسافات وتقاذفت بهم مشاعر الحنين حينا واستبدت بهم لوعة الخيبات أحيانا ، وعلى ذلك فإن أزقته تعج بحكايات الأجداد عن تراب استلب جهارا نهارا على مرأى ومسمع من عالم أصم أبكم ، وترفل أرصفته بآمال صغار تختلط صرخاتهم في حواريه برغبة أن تنتهي بهم معضلة الأسماء المؤقتة من جموع اللاجئين إلى قوافل العائدين إلى كامل قدس الأوطان فلسطين الغالية …

لا يمكن لأحد الحديث عن حق العودة دون أن يعرج على المخيمات وهي الحالة الرمزية الأكثر تمثيلا له ، و« مخيم دنون » واحد من هذه المخيمات التي لا تزال ناصعة البوصلة باتجاه فلسطين الكاملة بعد سبعة عقود من النكبة التي ألمت بشعبنا الفلسطيني .

يقع مخيم دنون على مسافة 23 كيلومتر جنوب دمشق بالقرب من آثار خان دنون التي بنيت قبل قرون عدة من أجل توفير مكان للمبيت للقوافل التجارية التي كانت تسير في الطريق القديم للتجارة بين القدس والقسطنطينية (إسطنبول كما تعرف اليوم).

تأسس رسميا في عام ( 1950-1951 ) فوق مساحة من الأرض تبلغ  0,03 كيلومتر مربع وهو واحد من أفقر المخيمات الفلسطينية في سوريا .

حدود المخيم:

يحد المخيم من الشرق الخان وأراض قرية خيارة دنون – ومن الجنوب أراضي عين البيضا – أما من الغرب والشمال الغربي بلدة الطيبة وأراضيها الزراعية .

التسمية:

سمي نسبة إلى الخان الأثري الذي أقيم المخيم قربه وهو خان أثري في أراضي بلدة الكسوة من محافظة ريف دمشق أقامه التاجر الدمشقي (علي بن ذي النون الأسعردي) عام 770هـ/1368 ليكون محطة للحجاج والتجار والمسافرين. والجدير بالذكر أن لفظ دنّون تحريف على ألسنة الناس لاسم نبي الله ذي النون يونس، والنون هو الحوت الذي التقمه، و«ذا النون» تعني صاحب الحوت.

نشأة المخيم:

أول مجموعة من اللاجئين الفلسطينيين في سورية سكنت في «الألينص» في وسط دمشق، ومجموعة أخرى سكنت في السقيلبية بضواحي الشام ومناطق دير علي والكسوة والعادلية.

 

انتقلت بعدها بعض العائلات إلى منطقة خان دنون حيث لم يكن هناك أي شيء يدل على وجود حياة في هذه المنطقة، رغم أن نهر الأعوج المار وطريق دمشق درعا القديم يمران بالقرب من الخان الأثري، وتم تقسيم مبنى الخان بواسطة اللبن لغرف تؤوي اللاجئين، كل غرفة مخصصة لعائلة، وقامت الأونروا بتخصيص مستوصف ومطعم في الخان الأثري ومركز للإعاشة، وبعد فترة تم بناء مدرسة تابعة للأونروا وكذلك بناء مطعم ومستوصف ومركز الإعاشة خارج الخان.

وبعدها بدأ الخان يضيق باللاجئين فلجؤوا للتخييم بالقرب من الخان على أرض استأجرتها الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين غربي الخان الأثري، وبعدها تطورت الخيم للمعرشات (المعرشات: قوائم من الخشب وسقف وجدران من القصب)، وبعدها تطورت المعرشات حتى أصبحت بيوتا جدرانها من اللبن وسقفها من الحور والقصب وذلك عام 1953. ودخل الإسمنت المسلح إلى بناء بيوت المخيم عام 1967م، وينقسم المخيم إلى أربعة أقسام:

– المخيم القديم بحاراته الضيقة وبيوته القديمة.

– منطقة التوسع جنوب المخيم.

– الحارات الغربية.

–  التوسع الجديد شمال المخيم، حيث تلمس في التوسعة الجديدة للمخيم انتظام الشوارع والبيوت المتسعة متعددة الطوابق.

القرى التي ينحدر منها أبناء المخيم:

ينحدر معظم سكان المخيم من قرى: سهل الحولة؛ أي من قرى قضاء صفد، وهي: الملاحة، والصالحية، وجاحولا، والدوارة، والخالصة، والزوق، وخيام الوليد، والمفتخرة.  إضافة الى عشيرتين بدويتين من الجليل، هما: عشيرتا: طرمة، والسوالمة.

التطور السكاني في المخيم:

يقدر عدد اللاجئين الفلسطينيين الذين وصلوا إلى مخيم خان دنون عام 1948 ببضع مئات. وقد لا يزيد العدد عن 500  لاجئ، ولكن سرعان ما تطور هذا العدد وقفز عدة قفزات نتيجة النمو الطبيعي وكثرة الولادات.

ففي عام 1995م وصل عدد سكان المخيم إلى 6014 لاجئا، أما في عام 1999م وصل العدد إلى 6973  لاجئا. وفي العام 2002م قفز العدد إلى 8603 لاجئا، أما في العام 2009م وصل العدد إلى 9479 لاجئا مسجلا ينتمون إلى 2192 أسرة . وفي واقع الحال يقدر عدد السكان في المخيم عام  2013م ما بين (10000)  و (11000)لاجئ وخاصة أن هناك عائلات غير مسجلة حتى الآن وهم على قيود مخيم جرمانا.

 

oouu_o10

تأثر المخيم بالأزمة السورية

مع بداية الأزمة السورية عام 2011 وتعرض الياسمين الدمشقي لمؤامرة يقف الصهاينة وراءها كان الهدف منها إبعاد دمشق عن محور الممانعة نتيجة احتضانها لحركات المقاومة ودفاعها المستميت عن حقوق الشعب الفلسطيني في العودة والتحرير تأثر « مخيم دنون » كسواه من المخيمات الفلسطينية في سوريا سيما بحكم موقعه على طريق دمشق – درعا عدا عن توسطه لمناطق كانت تحت سيطرة المجموعات الإرهابية المسلحة التي طالما خطفت وقتلت ونكلت بالعديد من أبنائه الذين دفعوا حياتهم ثمن مواقفهم مما يجري ورفضهم أن يكون المخيم منطلقا لهجماتهم ضد ثكنات الجيش العربي السوري وتمثل ذلك في اقتحامهم المخيم مرتين الأولى في ١٧-١١-٢٠١٣والثانية في ١٠-٤-٢٠١٤ وكلتا المحاولتين تكللتا بالفشل الذريع نتيجة صمود أبناء المخيم ووقوفهم صفا واحدا في وجه استباحة المخيم …

شكل « مخيم دنون » قبلة للكثير من المهجرين من المخيمات الأخرى والمناطق المجاورة بأرقام فاقت بكثير عدد سكان المخيم الذين استقبلوهم برحابة صدر وحسن ضيافة تحسب لهم ففتحت لهم أبواب المنازل والمدارس وقدمت لهم أفضل الخدمات المتاحة رغم شحها وكثير من أبنائه كان همهم السهر على راحة إخوانهم المهجرين..

ولايخفى لأحد أن الضغط البشري الهائل الذي أحدثه احتضان « مخيم دنون » للكثير من المهجرين انعكاس واضح على معيشة أبنائه لاحقا من جهة الخدمات فالزيادة الكبيرة في استهلاك الكهرباء والماء والوقود والغاز والخبز والمواصلات أدت الى معاناتهم من شح كل ما سبق وذلك لم يؤثر بتاتا على موقفهم الرافض لسقوط المخيم بيد تلك المجموعات المسلحة ما يعني سقوط معقل هام من معاقل حق العودة..

اليوم بعد سبع سنوات عجاف وبعد الاستقرار في المنطقة والصمود الملحمي ل « مخيم دنون »في وجه كل المحاولات الأثيمة لإسقاطه فإنه لا زال يعاني من نقص كبير في الخدمات رغم تحسنها نسبيا عن الفترة السابقة وربما تمثل أزمة المياه هي المعضلة الأهم في المخيم في ظل نقص مواردها وجفاف آبارها مما يضطر سكانه إلى شراء المياه بأسعار أصبحت تشكل عبئا على كاهلهم وتمثل معاناة المواصلات واحدة من المشكلات التي تؤرق أبناءه لاسيما طلاب الجامعات منهم والموظفين إضافة إلى أن المقبرة الوحيدة في المخيم بدأت تعج بالقبور وتكاد خلال فترة قصيرة قادمة غير قادرة على الاستيعاب

مما كل سبق يتبين لنا جميعا أن « مخيم دنون » حافظ على كينونته كمحطة ما قبل أخيرة باتجاه فلسطين الكاملة وما تنازل أبناؤه قيد أنملة عن انتمائهم لقضيتهم العادلة ووفائهم لسوريا العروبة ورغم المعاناة التي ألمت بالمخيم فإنه سيبقى منارة وضاءة ونموذجا يحتذى في التمسك بمبادئه الوطنية وثوابته التي لن يحيد عنها طال الزمان به أو قصر .

عن علي محمد

مدير التحرير