الخميس , 13 ديسمبر 2018
مجلة فتح
الرئيسية 10 مقالات 10 عربية 10 المرجعية الوطنية.. أداة تحرير ثورية.. وقيادة مؤتمنة للشعب الفلسطيني
المرجعية الوطنية.. أداة تحرير ثورية.. وقيادة مؤتمنة للشعب الفلسطيني

المرجعية الوطنية.. أداة تحرير ثورية.. وقيادة مؤتمنة للشعب الفلسطيني

بقلم: ياسر المصري

مسؤول الإعلام والدراسات

( مجلة فتح العدد 701 )

إحدى أهم الإشكاليات التي تعترض تطور المشروع الوطني الفلسطيني غياب المرجعية الوطنية للشعب الفلسطيني، التي من المفترض أن تكون الموجه الأساسي للأداء العملي في كافة مناحي الحياة الفلسطينية وعلى كافة الصعد وفي جميع مناطق تواجد الشعب الفلسطيني، والتي كان لها دوراً بارزاً في عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم، حتى جاء التوقيع على اتفاق أوسلو المشؤوم الذي ضرب وحدة الشعب والأرض الفلسطينية، ومزق الهوية الوطنية، وأصبحنا شعب منقسم إلى فلسطينيي الـ 48، وفلسطينيي الضفة والقطاع، والشتات، واللاجئين، وغيرهم وكل له مرجعيته الخاصة به إن وجدت، وفي أحيان أخرى بلا مرجعية وطنية، ومؤخراً أصبحت الضفة الغربية لها مرجعيتها وقطاع غزة له مرجعيته الخاصة أيضاً واللاجئون بلا أية مرجعية سياسية، وحتى المخيم الفلسطيني الذي يمثل عنواناً ورمزاً لحق العودة، لم يعد له المرجعية الوطنية المعنية ببقاء قضية اللاجئين حية أمام العالم أجمع.

لقد شكلت الثورة الفلسطينية المعاصرة، ومنذ انطلاقتها عام 1965، مرجعاً ثورياً للشعب الفلسطيني «إن جاز التعبير» لأنها استطاعت أن توحد الشعب الفلسطيني تحت راية الكفاح المسلح، وأصبحت كل جموع الشعب الفلسطيني وفي كافة أماكن تواجده منصهرة في مشروع الثورة، لذلك فإن الشرعية الثورية هي التي شكلت المرجع الأساس للشعب الفلسطيني، وبناء على ذلك توحدت الجماهير الشعبية في أرض الوطن وفي المهاجر في جبهة وطنية واحدة تعمل على استرداد فلسطين وتحريرها بالكفاح المسلح (المادة الثامنة من الميثاق الوطني الفلسطيني).

ومع التطور الذي حصل بعيد عام 1964، وتشكيل منظمة التحرير الفلسطينية بميثاقها القومي بداية وتعديله إلى ميثاق وطني في عام 1968، أصبحت منظمة التحرير هي المرجع الشرعي للشعب الفلسطيني، الذي حاز على إجماع جماهيري التفت حوله كافة شرائح المجتمع الفلسطيني، وفي عام 1974، نالت منظمة التحرير الفلسطينية الاعتراف العربي والدولي بأنها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.

وبذلك أصبحت هي المرجع لكافة أبناء الشعب الفلسطيني على قاعدة الميثاق الفلسطيني «كدستور» وطني، لا ينافسها أحد في تمثيله أو التحدث باسمه (بغض النظر عن الغايات السياسية التي كانت في مخيلة البعض من القادة السياسيين)، إلا أن ذلك المكون السياسي كان منجزاً وطنياً هاماً تم بناؤه والاعتراف به بفضل تضحيات الشعب الفلسطيني التي قدمها في سبيل ذلك، وأصبح الفلسطينيون جميعاً أعضاء طبيعيون في منظمة التحرير الفلسطينية يؤدون واجبهم في تحرير وطنهم قدر طاقاتهم وكفاءاتهم (المادة الرابعة في النظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية).

ولا شك بأن ما بين عامي 1974 و1993، شهدت الساحة الفلسطينية تجاذبات سياسية ووطنية بين تيارين مختلفين تيار يرفع شعار التسوية السياسية مع الكيان الصهيوني وتيار يرفع شعار الكفاح المسلح وتحرير فلسطين بشكل كامل من الكيان الصهيوني، وكان يرى أصحاب مشروع التحرير بأن نهج التسوية (بغض النظر عن حسن نوايا أصحابها) سوف تفضي بالمحصلة النهائية إلى تنازل عن جزء من الأرض الفلسطينية وذاك يعتبر من المحرمات الوطنية، ومن جهة أخرى فإن منظرو التسوية كانوا يردون بأن ميزان القوى، والواقعية السياسية تتطلب المرونة السياسية من أجل الاستفادة من قرارات «الشرعية الدولية» والرأي العام الدولي، لكن ما جرى فيما بعد أكد على صوابية رؤية فكرة المتمسكين ببرنامج التحرير لأنهم أشاروا مبكراً لخطورة المنزلقات السياسية لفكر التسوية والذي كان اتفاق أوسلو هو محصلة وثمار ذلك البرنامج والنهج.

إن خطورة اتفاق أوسلو الذي وقع في العام 1993، ليست في تنازلاته السياسية وحسب بل في انعكاساته وتأثيراته الوطنية التي ندفع ثمنها في كل يوم، وأهمها تغييب منظمة التحرير الفلسطينية واستحضار «السلطة الفلسطينية» على حسابها، بحيث أصبحت المنظمة لا تُستحضر إلا حسب المزاج السياسي لـ «رئيس السلطة» حينما يرى مصلحة معينة له في ذلك، وكما هو منصوص عليه في اتفاقات أوسلو فإن السلطة معنية فقط بالفلسطينيين المقيمين في الأراضي المحتلة عام 1967، فقط، وفي ذلك ضرب لوحدة الشعب الفلسطيني التي شكلت المنظمة في يوم من الأيام مرجعية شاملة له، هذا إضافة إلى أن المنظمة بكافة مؤسساتها (اللجنة التنفيذية، والمجلس المركزي، والمجلس الوطني) أصبحت هياكل جوفاء لا دور لها في الحياة السياسية.

لذلك فإن الكيان الصهيوني كان يرى الخطورة على وجوده وكيانه تأتي من منظمة التحرير وبرنامجها الوطني، فعمل منذ البداية على تهشيم منظمة التحرير وتفريغها من مضمونها النضالي، فأصر على أن تكون رسائل الاعتراف المتبادل باسم منظمة التحرير وليس «السلطة الفلسطينية» أي باسم الشعب الفلسطيني وليس قسماً منه، كما أن إلغاء الميثاق الوطني كان أهم القضايا التي أصر عليها الكيان، والذي اعتبره شمعون بيرير «أهم تحول إيديولوجي في القرن العشرين».

وفي ذلك أصبح الشعب الفلسطيني منقسماً ومجزءاً دون مرجعية سياسية موحدة، فأصبح فلسطينيو عام 1948، بلا مرجعية، وأعتبر فلسطينيو الأردن والذين يقدر عددهم بثلاثة ملايين فلسطيني هم أردنيون، ولاجئي الشتات في سورية ولبنان على هامش المرجعية السياسية وبانتظار الحل النهائي لمشكلة اللاجئين، وفيما بعد انقسمت غزة عن الضفة الغربية وأصبحت مرجعيتها حركة حماس، ووجد شعبنا الفلسطيني نفسه بين سلطتين متنازعتين وكل منها يدعي تمثيله للشعب الفلسطيني.

واليوم يحاول البعض استحضار منظمة التحرير الفلسطينية بأشكال ومسميات مختلفة منها (الإطار القيادي المؤقت) الذي شكل في القاهرة عام 2005، ولم ينعقد في يوم من الأيام بل بقي حبراً على ورق، وبين الفترة والأخرى يتم الحديث عن انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني كيفما كان حتى ولو تم ذلك تحت حراب الاحتلال الصهيوني، ودون أي مراجعة أو تقييم لدور المؤسسات الفلسطينية، التي ترهلت وفقدت شرعيتها القانونية، والمفترض قبل كل ذلك العمل على حوار وطني شامل يؤسس لإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، كإطار سياسي يقود حركة النضال الوطني على أسس إستراتيجية جامعة توحد الجهد الفلسطيني في رؤية وطنية مشتركة على قاعدة الصراع مع الكيان الصهيوني، وليس المساومات والتنازلات التي أدت إلى تراجع المشروع الوطني الفلسطيني.

إن المرجعية الوطنية التي يطمح شعبنا الفلسطيني إليها، هي مرجعية هدفها الأساس الحفاظ على الثوابت الوطنية لشعبنا الفلسطيني، وعلى أن تكون أمينة على حقوقه التاريخية، وعلى تضحيات أبنائه، الذين ضحوا بالغالي والنفيس من أجل استرداد أرضهم وحقوقهم، لذلك فإننا عندما نرفع الصوت عالياً منادين بضرورة وجود المرجعية، ليس من أجل استبدال وجه بوجوه أخرى أو أشخاص بأشخاص آخرين، بل من أجل إعادة إنتاج منظمة التحرير تكون على رأسها قيادة مؤتمنة صاحبة نهج وطني واضح يقوم على أساس المقاومة والاشتباك مع الكيان الصهيوني، بعيدة كل البعد عن التسويات والتفريط بحق قضيتنا الوطنية، ومعنية بالحفاظ على الشخصية الوطنية الفلسطينية أينما كانت، وتجهد من أجل بقاء حق العودة عنواناً لكل مشاريع وبرامج عملها، وتعتبر الفلسطيني أينما وجد على هذه الأرض أمانة في أعناقها، إلى أن يتم التحرير وبناء الدولة الفلسطينية على كامل التراب الوطني الفلسطيني.

 

عن علي محمد

مدير التحرير