الثلاثاء , 19 يونيو 2018
مجلة فتح
الرئيسية 10 شؤون فلسطينية 10 المفاوضات 10 12% تبادل أراضٍ.. عباس يقبل بدولة فلسطينية قاحلة !
12% تبادل أراضٍ.. عباس يقبل بدولة فلسطينية قاحلة !

12% تبادل أراضٍ.. عباس يقبل بدولة فلسطينية قاحلة !

أحمد الكومي

يمضي رئيس السلطة محمود عباس في تقديم تنازلات للإدارة الأمريكية الجديدة، تُظهر جديته للسلام. كان آخرها تراجعه عن شروطه السابقة للعودة إلى المفاوضات، وموافقته على تبادل أراضٍ بنسبة 12% مع الاحتلال!

ويعد “تبادل الأراضي” أحد مصطلحات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي فيما يتعلق بحدود الدولة الفلسطينية، وتهدف (إسرائيل) من ورائه إلى تبادل أراضٍ احتلتها عام 1948 بأراض احتلتها عام 1967.

يمكن فهم مسألة إسقاط شروط العودة إلى التفاوض في ضوء حاجة السلطة إلى التسوية، لكن ما هو عصيّ على الفهم هي نسبة التنازل الجديدة في تبادل الأراضي، وهي أعلى بكثير من العرض السابق للسلطة، زمن رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق، ايهود أولمرت، البالغة 1.9%.

تعيدنا النسبة الجديدة إلى تصريح أبو مازن على منبر جامعة الدول العربية في شهر مايو 2016، حين قال “إن السلطة مستعدة لإجراء تبادل طفيف في الأرض؛ لإعادة تحديد الحدود بين إسرائيل وفلسطين”، فالحاصل أن العرض الجديد، الذي لم تنفه مركزية فتح، يعكس مرونة كبيرة، وكرمًا وافرًا من قيادة السلطة في أمر كانت زاهدة فيه وقتًا طويلاً. فنبيل شعث، مستشار عباس للشؤون الخارجية والعلاقات الدولية، قال لصحيفة “جيروزاليم بوست” ما نصّه “إن أبا مازن مرن حيال تبادل أراضٍ، ومستعد للتفاوض بشأن الحد الأدنى من التبادل على طول حدود الـ 67”.

وفي الجلسة الأخيرة لمركزية فتح، في 25 مايو الماضي، برئاسة عباس، قررت إرسال وفد يضم 5 من أعضائها إلى واشنطن؛ لمناقشة آليات استئناف العملية السياسية بناء على الرؤية الجديدة، التي تطرح علامات استفهام في وقتها وأسبابها التي دعت إلى القبول باستبدال أراض حيوية بأخرى قاحلة، فالمقابل الذي ستحصل عليه السلطة بموجب اقتراح “تبادل الأراضي” هو قطعة أرض قرب قطاع غزة مساحتها حوالي مئة كيلومتر مربع، وأخرى قرب الضفة مساحتها 227 كيلومتراً مربعاً، أغلبها في الصحراء!

 

بينما تتضمن النسبة الجديدة بقاء معظم المستوطنات الكبرى في الضفة تحت السيادة الإسرائيلية، وقد تصل إلى التنازل عن غور الأردن، بمعنى أنه سيكون بمقدور (إسرائيل) الاحتفاظ بمناطق حيوية من الضفة، مقابل إعادة جزء صغير من أراض فلسطينية في الشمال وأخرى قاحلة في الجنوب، لا تملكها (إسرائيل) أصلا من الناحية القانونية، إلى السلطة الفلسطينية.

 

وتعتقد (تل أبيب) أن هذه الصيغة تعطيها الصفة الشرعية لأراض احتلتها في عام 1967 وأخرى احتلتها عام 1948، بموجب إسقاط حق مالك الأرض لمصلحة (إسرائيل). ويبدو ذلك في تصريح وزير الحرب الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، في مؤتمر ميونيخ للأمن في فبراير الماضي، حين قال إن “المبدأ الأساسي لحل الدولتين ينبغي أن يكون تبادل الأراضي والسكان”.

 

من جملة ما يُمكن تفسيره لهذا التنازل من مركزية فتح والسلطة، أن أبو مازن يحاول، من خلال تنازلاته الجديدة، لفت أنظار الإدارة الأمريكية الجديدة بأهليته وجدّيته للسلام، وأنه الخيار الوحيد الذي يمكن الاعتماد عليه في تحقيق أمن الجوار لـ (إسرائيل)، إلى جانب استغلال الظرف الإقليمي المتماهي مع اهتمامات الرئيس ترامب في هذا الملف. وتقديم هذه التنازلات على أنها “وصفة السلام” المقابل للإرهاب، الذي أصبحت محاربته، عنوان السياسة الدولية الجديدة.

 

كما يحاول أبو مازن عبثاً إحراج أو تعرية، إن صح التعبير، الموقف الإسرائيلي من التسوية، التي نجده يثقل قائمة القضايا المنوي التفاوض عليها، بمطالب جديدة من قبيل قول رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو “إنه لا سلام من دون نقل السفارة الأمريكية للقدس”، والمطالبة بوقف دفع مخصصات مالية للأسرى والجرحى وعوائل الشهداء، في إجراء يضع عباس في مواجهة الغضب الفلسطيني، تحت ذريعة أنها “تغذية للإرهاب”.

 

إلى جانب، أن أبو مازن يعتقد بأن الظروف القائمة فرصة يمكن ألا تتكرر على ضوء تعاظم المخاطر في المنطقة العربية بشكل قد يبقي القضية الفلسطينية في ذيل أجندة الاهتمام العربي والدولي، مستغلا في الوقت نفسه، ركود الوضع الفلسطيني الداخلي على المستوى السياسي، والتغافل الوطني عن تآكل شرعيته دون محاولات لتجديدها.

 

والمفارقة أنه في الوقت الذي يبدى فيه أبو مازن مرونة في نسبة التبادل إلى 12% عن السابق، وقطعه أيضا مخصصات 250 أسيرًا محررًا بالضفة وغزة والقدس والخارج، والتلميح، عبر جبريل رجوب عضو مركزية فتح، إلى أحقية اليهود في حائط البراق، إلا أن الاحتلال قابل هذه التنازلات، بإجراءات تحمل في مضامينها رفضًا إسرائيليًا أو تحايل على كل هذه العروض، كان في مقدمة هذه الإجراءات الاستمرار في التوسع الاستيطاني في الضفة!

 

هذا الأمر يجعل من اليسير القول إن محاولات مركزية فتح والتنازلات الجديدة لن تحقق الرضى الإسرائيلي الكامل، ولن تأتي لها بدولة مستقلة في المنظور القريب، وإن حصل، وهو مستبعد، فستكون دولة من دون سيادة، وهذا من أكده نتنياهو بقوله “سنحتفظ بسيطرتنا العسكرية على الضفة الغربية مهما تكن صيغة التسوية”!

عن علي محمد

مدير التحرير