الأحد , 24 يونيو 2018
مجلة فتح
الرئيسية 10 شؤون فلسطينية 10 زيارة ترامب وانعكاساتها على القضية الفلسطينية
زيارة ترامب وانعكاساتها على القضية الفلسطينية

زيارة ترامب وانعكاساتها على القضية الفلسطينية

بقلم: ياسر المصري

مسؤول الإعلام والدراسات

( مجلة فتح العدد – 696 )

جاء الرئيس الأميركي إلى المنطقة، في أولى زياراته الخارجية، لأسباب أميركية بحتة، وليس محبة بالعرب والمسلمين، أو محاربة الإرهاب كما يدعي، بل إن الزيارة هي من أجل تدعيم موقف ترامب داخلياً، وخاصة في ظل حملة تشن عليه من أوساط أميركية تشكك بقدرته على قيادة الولايات المتحدة الأميركية، إضافة إلى رغبته بإرسال رسائل متعددة منها ما هو إقليمي ومنها ما هو دولي، ناهيك عن ضرورة إظهار الدعم المطلق للكيان الصهيوني.

ولا شك بأن الزيارة إلى الرياض حققت العديد من الأهداف الأميركية لجهة القمم الثلاث التي عقدت (القمة الأميركية السعودية، والقمة الأميركية ومجلس التعاون الخليجي، والقمة الأميركية العربية الإسلامية)، وخاصة في إطار تحشيد الدول العربية والإسلامية ضد إيران، ومن جهة أخرى حجم الصفقات الاقتصادية والعسكرية التي وقعت مع الولايات المتحدة الأميركية، والتي لم يكن يحلم بها ترامب يوماً، فكانت الزيارة مناسبة هامة للرئيس الأميركي للتوقيع على صفقات قدرت بخمسمائة مليار دولار أميركي أي ما يعادل (نصف ترليون  دولار)، وذلك سوف ينعش الاقتصاد الأميركي المنكمش في السنوات الأخيرة، وسيوفر آلاف الفرص من الوظائف لجيش من العاطلين عن العمل في أميركا، لذلك غرد ترامب على صفحته قائلاً سوف تخلق هذه الصفقات آلافاً من فرص العمل في أميركا.

هذا إضافة إلى تحسين صورة ترامب في الداخل الأميركي بعد تعرضه لهجوم شرس من أعضاء في الكونغرس الأميركي حول سياسته الداخلية والخارجية ومحاولات التلويح المستمرة  لتسريب معلومات ولقاءات مع روسيا الاتحادية.

وبكل الأحوال ما يهمنا من زيارة ترامب للمنطقة في هذا الإطار هو أثرها على القضية الفلسطينية وانعكاساتها السياسية على محور المقاومة وخاصة أن الكيان الصهيوني الغائب عن القمة لكنه الحاضر الأكبر في معظم الأهداف التي رسمت لها، فلقد تركز الهجوم السياسي في الكلمات التي ألقيت في القمة على إيران واعتبارها رأس الإرهاب في المنطقة وأن حزب الله وحركة حماس منظمتان إرهابيتان، وضرورة إنشاء مركز دراسات لمحاربة الفكر الإرهابي، وتشكيل جيش من عشرات الآلاف لمحاربة الإرهاب إضافة إلى إنشاء حلف (ناتو) أميركي بمشاركة أميركية وممكن أن تكون «إسرائيلية» أيضاً.

تلك كانت الأجواء السياسية للقمة الأميركية العربية الإسلامية، والتي خلت بشكل كامل من التحدث حول الإرهاب الصهيوني، أو حتى محاولات التهويد التي تحدث في المقدسات الإسلامية في القدس، فلم يتم التطرق لا من قريب ولا من بعيد حول ذلك، بل أن الموقف كان واضحاً من أجل «شيطنة» حركات المقاومة واعتبارها السبب الرئيسي في عدم استقرار المنطقة، وفي ذلك قلب لكل المفاهيم التي عرفها الصراع العربي الصهيوني، وفي محاولة لتدجين المنطقة وترويضها على قبول الكيان الصهيوني كجسم طبيعي، لذلك كان الرابح الأكبر من كل ما جرى في الرياض هو الكيان الصهيوني، الذي رحب بكل نتائجها واعتبرها انجازاً  مهماً، ولقد تجلى ذلك في الزيارة التي قام بها الرئيس الأميركي إلى الأراضي المحتلة بعد السعودية مباشرة.

كما كان واضحاً حجم التفاؤل الصهيوني غداة تلك القمة في التغريدة التي كتبها رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو حين قال: «أتطلع إلى اليوم الذي يذهب فيه رئيس وزراء إسرائيل إلى السعودية»، وكان رد ترامب على ذلك واضحاً حين قال: «جئنا من السعودية التي تحمل مشاعر طيبة لإسرائيل»، وفي ذلك التناغم يتجلى بشكل واضح أثر تلك القمة على العلاقات السعودية الصهيونية، ومحاولات التطبيع التي سبقتها في المبادرات المختلفة.

وحول الزيارة التي قام بها ترامب إلى الكيان الصهيوني، فقد جاءت منسجمة مع قمة الرياض لاستثمار أجواءها في حل الصراع العربي الصهيوني وفق الأجندة الصهيونية، وخاصة أن القمة خلت من أي حديث حول ذلك الصراع، أو أي مشروع للحل، لذلك جاءت التصريحات الصهيونية متوافقة مع ذلك، فلقد أكد نتنياهو بكلمته الترحيبية بالرئيس الأميركي على أن بلاده تشاطر التزام الرئيس الأميركي، ولكنه بالمقابل أكد على مطالب حكومته السياسية والأمنية، بما في ذلك ضرورة اعتراف الفلسطينيين بيهودية الدولة، كما أكد «عاموس يدلين» مدير مركز أبحاث الأمن «الإسرائيلي» قائلاً في وصف ترامب : «هذا ليس شخصاً داعماً لإسرائيل فقط وإنما صهيوني»، أما رئيس الكيان الصهيوني رؤبين ريفلين فقد قال: «الشرق الأوسط يحتاج إلى أميركا قوية، وأميركا بحاجة إلى إسرائيل قوية»، وذهب وزير الاستخبارات الصهيوني «يسرائيل كاتس» إلى أبعد من ذلك بقوله: «زيارة ترامب إلى الشرق الأوسط ستعزز المعسكر المعادي لإيران».

وفي المجمل من ذلك فإن الكيان الصهيوني، يرى في تلك الزيارة أهمية على أكثر من صعيد، وخاصة أن ترامب لم يقدم أي مشروع تسووي لأي حل قادم على صعيد الصراع العربي الصهيوني، ولم يتحدث عن فكرة حل الدولتين، أو عن الاستيطان، بل أكد في مؤتمره الصحفي مع «عباس» على فكرة السلام الاقتصادي التي يطرحها نتنياهو حالياً بعد طرحها من قبل شمعون بيريز سابقاً، هذا إضافة إلى ما أكده ترامب في أكثر من مرة على ضرورة الحل الإقليمي أي بمشاركة عربية وصهيونية وأميركية.

وفي الزيارة التي قام بها الرئيس الأميركي إلى بيت لحم واللقاء السريع جداً جداً مع «الرئيس الفلسطيني» محمود عباس والذي لم يتجاوز خمس وأربعون دقيقة، فلم تطرح به أي أفكار أو مشاريع عملية للحل على الصعيد الفلسطيني الصهيوني، وبرغم أن محمود عباس حاول أن لا يزعج ترامب بالخيم الاعتصامية للجماهير المتضامنة مع الأسرى المضربين عن الطعام، والذي أمر بإزالتها، كما لم يتم التطرق لهذا الموضوع أبداً، بينما أثار الرئيس الصهيوني رؤبين ريفللين مع ترامب مصير الأسيرين الصهيونيين وتحدث عن مناقبهما وعن شجاعتهما، وهذا ما فعله أيضاً نتنياهو، وفي ذلك تساؤل كيف يرى الكيان الصهيوني أسراه، وكيف ترى ما تسمى «السلطة الفلسطينية» ما يقارب سبعة آلاف أسير، منهم ما يقارب ألف وخمسمائة أسير مضرب عن الطعام ويصارعون السجان الصهيوني بأمعائهم الخاوية وحسب.

وفي الخلاصة من كل ذلك فإن الكيان الصهيوني حقق أرباحاً مهمة في زيارة ترامب، فقد تهمشت القضية الفلسطينية وأصبحت قضية ثانوية في المحافل العربية والإسلامية، واستحضر عدواً جديداً اسمه إيران بدلاً من العدو الرئيسي الذي هو العدو الصهيوني، وسميت حركات المقاومة مثل حزب الله تنظيماً إرهابياً، وحماس التي حاولت مؤخراً عبر وثيقتها السياسية من إبراز واقعيتها السياسية باعترافها «بالدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران» لم يشفع لها كل ذلك التحول بل صنفت منظمة إرهابية، ومحمود عباس الذي كان يطمح بمبادرة أميركية على أساس حل الدولتين لم يتم تناول ذلك أبداً أبداً، كما كان واضحاً عبر بعض التسريبات بأن ترامب حمل أفكاراً لتطبيع العلاقات العربية الصهيونية، بالمقابل فقد أكد ترامب على الدعم اللا محدود للكيان الصهيوني، وعلى اختلاف المشاعر العربية إيجاباً اتجاه «إسرائيل»، كما أكد على أن هناك شعوراً واسعاً في العالم الإسلامي بأن لديهم قضية مشتركة مع الكيان الصهيوني في التهديد الذي تشكله إيران.

لذلك يمكن القول بأن كل ما جرى كان على حساب القضية الفلسطينية، بل إنه سيكون المقدمة من أجل تصفيتها وذلك في إطار الحل الإقليمي المزمع انعقاده إما في شرم الشيخ أو في واشنطن خلال شهر تموز القادم، لكن ذلك ليس من الضرورة أن يكتب له النجاح، لأن المنطقة برمتها هي على صفيح ساخن وممكن أن تحدث بها الكثير من المتغيرات والمفاجأت، والحلف الذي يرغب النظام السعودي بزعامته ليس من الضروري أن يتحقق، فلقد أنشأت أحلافاً سابقة وبزعامة سعودية في فترة الستينيات والسبعينيات، ولكن جميعها فشلت، كما أن ترامب نفسه يعيش على أزمات كبيرة في الداخل الأميركي، وأخيراً فإن محور المقاومة الذي يعمل الكثيرون من أجل إجهاضه وإنهائه، هو اليوم يتعافى بفضل صمود سورية، وتطور المقاومة الوطنية اللبنانية في قدراتها العسكرية، إضافة إلى العامل الفلسطيني المقاوم الذي اكتسب خبرات عسكرية في صموده في الدفاع عن غزة، وأخيراً الشعب الفلسطيني بشكل عام الذي مازال يحمل راية المقاومة التي لم يتخلى عنها أو يتنازل عنها يوماً، برغم كل المؤامرات والظروف الصعبة التي تحيط به لأنه مؤمن إيماناً تاماً بحقه في فلسطين، التي ضحى من أجلها حتى تحقيق العودة وتحرير فلسطين تحريراً كاملاً.

 

عن علي محمد

مدير التحرير