الإثنين , 17 ديسمبر 2018
مجلة فتح
الرئيسية 10 شؤون فلسطينية 10 الشتات 10 المشهد الفلسطيني في خضم المتغيرات والتحولات العربية والإقليمية والدولية
المشهد الفلسطيني في خضم المتغيرات والتحولات العربية والإقليمية والدولية

المشهد الفلسطيني في خضم المتغيرات والتحولات العربية والإقليمية والدولية

بقلم: ياسر المصري

             مسؤول الإعلام والدراسات

( مجلة فتح العدد 693 )

إن الأحداث المتسارعة في منطقتنا، تضع القضية الفلسطينية على صفيح ساخن، لا يمكن التنبؤ بما يمكن أن تؤول إليه الأمور في المستقبل القريب، في ظل مناخ سياسي يتداخل فيه الصديق مع العدو، والقريب مع الغريب، وتختلط فيه الأوراق فتضيع الألوان ويصبح الأسود مثل الأبيض، وتنقلب الأولويات فيصبح الثانوي رئيسي والهامشي أساسي، ومنظومة القيم التي عرفناها وتربينا عليها تتغير وتصير الشهامة والمروءة والنخوة من القيم البالية ويحل محلها نزعات الأنا والذات السياسية المتضخمة والقطرية العربية، ويصبح الانتماء القومي لغة خشبية من الماضي، وتسود مفاهيم الواقعية السياسية، وموازين القوى، والاعتدال، على حساب الحلول الجذرية والصراع مع المشروع الاستعماري، ويصبح احترام الرأي الآخر منصة ومنبراً لتبرير قبول الهزيمة والاستلام.

هذه هي صورة مصغرة عن فلسفة الواقع السياسي العربي، الذي نحياه ونعيشه في هذه الأيام، والذي انتقلنا به من حالة إلى حالة أخرى، وأصبح المألوف فيه معكوساً ومقلوباً بكل تجلياته عن الماضي القريب، حين كان العرب أمة واحدة يرون في القضية الفلسطينية «القضية المركزية»، وحين كان قتال العدو هو السبيل لتحرير فلسطين، والتنازل عن أي حق من الحقوق الفلسطينية هو خيانة وجريمة لا تغتفر، وكان الجميع يعمل من أجل حشد كل الطاقات في مشروع المواجهة والتصدي للمشروع الأميركي الصهيوني، الذي يغزو بلادنا العربية بشكل عام وفي المقدمة منها فلسطين.

ومنذ سنوات تموج المنطقة العربية بهبات تطلق على نفسها «ربيع عربي»، حرقت الأخضر واليابس ولم يبقِ من هذه الأمة سوى الحطام تحت عناوين الديمقراطية الجوفاء وحقوق الإنسان من المنظور الغربي، الذي يخدم مآرب الغرب الاستعماري وحده، ولا يقدم لشعبنا العربي سوى التبعية لمفاهيم حددتها له نظريات ومؤسسات ووسائل إعلام هدفها الأساسي تفتيت الأمة واستلاب وعي الإنسان العربي.

وإذا ما استعرضنا بشكل سريع وموجز ما حصل ويحصل في تونس وليبيا ومصر وسورية واليمن فيما يسمى «ثورات عربية» تطرح علينا أسئلة تتطلب الإجابة عليها منها (أين أصبحت تلك الثورات الآن بعد مرور سبعة أعوام عليها؟؟، فهل تعيش شعوب تلك الدول التي طالها ذلك الربيع في النعيم العربي أم في الجحيم العربي، وهل ازدهرت بلدانها اقتصادياً وأصبحت تعيش شعوبها في رفاه ورخاء، أم أن نسبة الجوع والبطالة والفقر ازدادت أكثر بكثير مما كانت عليه قبيل تلك الثورات، ومشاريع التقسيم والتجزئة التي يلوح شبحها في سماء تلك البلدان بعد أن كانت وحدة واحدة)؟؟، وفوق كل ذلك فلقد أفسحت المجال لكل دول العالم بالتدخل في كل ملامح السيادة التي عايشناها سابقاً ولو بشكل جزئي يختلف من بلد إلى آخر.

إن الأداء السياسي في الواقع العربي الراهن، يعيش حالة ارتهان للمشروع الغربي بكل تجلياته السياسية والاقتصادية والتنموية وغيرها، لأن النظام المتحكم عربياً هو نظام «كولونيالي» تابع، لا يمكن له أن يكون إلا في فلك من يدعمه ويحميه، وهذا ما سمعناه مؤخراً على لسان الرئيس الأميركي الجديد (ترامب) الذي أشار إلى ضرورة أن تدفع دول الخليج ثمن الحماية الأميركية، لأنها تخوض الحروب دفاعاً عنها، من أجل استمرار بقاء عروشها، وفي ذات الإطار لابد من استرضاء حليف أميركا الأساسي في المنقطة ألا وهو الكيان الصهيوني لذلك أصبح الاقتراب منه والتطبيع معه هدف أساسي تعمل معظم الدول العربية من أجله.

مع أن ما حصل في عام 2000، وعام 2006، كان من الممكن أن يشكل نقلة نوعية في الصراع مع الكيان الصهيوني، ومن خلفه الدوائر الاستعمارية الغربية، لأن ذلك الانتصار شكل وعياً مهماً لدى الإنسان العربي بإمكانية هزيمة المشروع الصهيوني، وبالمحصلة إمكانية تحرير فلسطين إذا ما انضوت كل الإمكانيات والطاقات العربية في مشروع النضال والمقاومة، وخاصة أن ما جرى تحقيقه في هذين الانتصارين أثبت هشاشة وضعف العدو الصهيوني، بعد إجباره على الانسحاب من الجنوب اللبناني، وإيقاف حرب تموز دون تنفيذ أي شروط صهيونية، بل خرجت المقاومة منتصرة ومظفرة حازت على عواطف ووجدان الشعب العربي في كل مكان، وهنا بدأت المؤامرة عربياً ودولياً على مشروع المقاومة الذي لم يشكل خطراً فقط على الاستعمار الصهيوني بل أيضاً على النظام الرسمي العربي الذي شعر بضعفه وعجزه وانكشاف تواطؤه ضد المقاومة.

وما يجري اليوم في سورية هو عقوبة لها على مواقفها الداعمة للمقاومة، والتي كانت سبباً رئيساً في انتصارها، فكان لابد من تدمير سورية وتمزيقها من أجل إخراجها من دائرة الصراع بأدوات محلية ودعم إقليمي وتوجيه دولي، وبحرب تعتبر من أصعب الحروب نتيجة الحجم الكبير لجبهة الخصوم والتي تجاوز عددها المئة دولة، وجميعها وضعت إمكانياتها الهائلة في تلك الحرب المستعرة منذ سبعة أعوام، وبرغم كل ذلك فشلت في تحقيق أي من أهدافها، فبقيت سورية وحدة واحدة، وبقيت الدولة السورية المركزية هي المرجع والأساس للشعب السوري، وبقي الموقف القومي والوطني هو الثابت دون أي تغيير أو تلون.

وفي الجوهر من كل ما يحدث القضية الفلسطينية، لأن كل الأحداث تصب في أهدافها في خانة فلسطين صعوداً أو هبوطاً لارتباطها تاريخياً في المحيط العربي، فما يجري من أحداث في المنطقة العربية سوف تكون انعكاساته سلبية من حيث تهميش القضية الفلسطينية، والإيغال في التآمر أكثر من أي وقت مضى من أجل التخلص والتحلل منها خدمة للأجندات الغربية والصهيونية، وخاصة أن النظام الرسمي العربي هو اليوم في أسوأ أحواله ولديه القابلية للموافقة على أي مشروع استسلامي، لذلك يرى الكيان الصهيوني اليوم بأن الفرصة سانحة اليوم لشرعنة وجوده في المنطقة، وأصبحت الظروف ناضجة وممكن تحقيق كل ما يريد بفعل ذلك الواقع السياسي العربي الرديء، والقابل للاعتراف به ليكون جزء طبيعي من نسيج المنطقة.

من هنا يمكن قراءة المشاريع التي يعمل الكيان الصهيوني على تحقيقها في هذه الآونة بعيداً عن كل الاتفاقيات السابقة بما فيها اتفاق أوسلو أو حل الدولتين، لأن الظرف الراهن قد تغير عن الظروف الماضية، وأصبح مناسباً أكثر للخضوع للإملاءات الصهيونية، تحت عناوين الحل الإقليمي التي كانت ترفضه سابقاً وتتمسك بالمفاوضات الثنائية فقط، لكن اليوم يمكن لها أن تكون زعيمة لما يسمى دول الاعتدال العربي، وذلك يفتح الطريق أمامها بالاستفراد بالفلسطينيين وبضغط من النظام العربي للقبول بأي شيء يقدمه من صيغ تؤدي إلى إنهاء القضية الفلسطينية، وتصبح المسألة هي قضية سكان يتم البحث عن حل لمشكلتهم بعيداً عن الحقوق الوطنية في الأرض والسيادة والعودة.

من الواضح أيضاً في ما تقدم أن هناك طبخة ما تحضر لتصفية القضية الفلسطينية بدأت ملامحها العامة تلوح في الأفق، بعد أن تم التوافق عليها أميركياً وصهيونياً في اللقاء الأخير الذي جمع رئيس وزراء الكيان الصهيوني نتنياهو والرئيس الأميركي ترامب، وفي زيارة مبعوث الأخير جيبسون غيرنبلات إلى رام الله والكيان الصهيوني وكل ذلك سيفضي إلى قمة عربية صهيونية أميركية مزمع عقدها في شهر تموز من العام الحالي، يتم من خلالها الاتفاق على الحل النهائي، وفق الشروط الصهيونية التي لا تعترف بأي سيادة فلسطينية أو أي  حق من الحقوق الفلسطينية «كما أسلفنا سابقاً».

لذلك فإن الواقع الفلسطيني يشي بأننا أمام مرحلة خطيرة، وخاصة في ظل «سلطة فلسطينية» متهافتة على أي حل وكيفما كان، حتى ولو كان ذلك على حساب الثوابت والحقوق الوطنية، من وقع على اتفاق أوسلو وتنازل عن 78% من أرض فلسطين التاريخية ليس لديه مشكلة اليوم بالتنازل عن ما تبقى من فلسطين، ولأن تلك السلطة هي عبارة عن عجينة لينة في أيدي الكيان الصهيوني والنظام الرجعي العربي، لذلك فإنها ستقبل بأي حل تحت مبررات الواقعية السياسية والظرف الراهن، واختلال موازين القوى وغيرها من مبررات تسوقها للقبول بأي شيء يُطرح عليها، ومن جهة أخرى فإن سلطة حماس في قطاع غزة ليس لها هم سوى تثبيت دعائم إمارتها، وانتزاع الاعتراف بها حتى ولو كان على حساب الأهداف الوطنية، فما قرأناه في وثيقة حماس المسربة مؤخراً إلى الإعلام تشير إلى الاعتراف بالكيان الصهيوني مقابل الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران، وبين هاتين السلطتين فإن القوى الوطنية الأخرى تعيش حالة تخبط يغيب عنها المشروع الوطني الفلسطيني، وتختلط فيه الإستراتيجية بالتكتيك، وتعيش حالة من الانفصام السياسي ما بين مرحلة التحرر الوطني ومشروع الدولة، وفي كل ذلك المطلوب من القوى الوطنية الفلسطينية في هذه المرحلة الوقوف أمام كل تلك الاستحقاقات وإجراء مراجعة نقدية في إطار حوار وطني شامل، يفضي إلى انتهاج مشروع وطني وتكون المقاومة في جوهره لاستمرار الصراع مع الكيان الصهيوني، وتكون الجماهير الفلسطينية هي صاحبة القرار الأساسي بما يتعلق بمصيرها ومستقبلها.

 

 

 

 

عن علي محمد

مدير التحرير